أي بيان الأحاديث الواردة في صفة أكله -ﷺ-.
٢٦ - عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: «كَانَ النبي -ﷺ- إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أصابعه الثلاث».
* * *
٢٧ - وعن كَعب بن مَالِكٍ قَالَ: «كان رسُول الله -ﷺ- يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ».
• الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
وكعب بن مالك هو: ابن عمرو بن القين الخزرجي الأنصاري، أحد أصحاب النبي -ﷺ- وشعرائه الفحول، أسلم قديمًا، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، ثم تاب الله عليهم، توفي سنة: ٥٠ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث أنس أخرجه مسلم في صحيحه (^١)، وحديث كعب بن مالك
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٠٣٤).
[ ١٠٧ ]
أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه بنحوه (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(لعق): اللعق: اللحس، ولعق الأصابع: لحسها.
* الوجه الرابع: دل الحديثان على استحباب لعق أصابع اليد بعد الفراغ من الطعام، وقبل غسلها، تأسيًا بالنبي -ﷺ- ومن باب المحافظة على بركة الطعام، فقد جاء في الحديث الصحيح: «فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» (^٢).
وكأن مقصود الأحاديث ترك الإسراف في الطعام، وعدم التهاون بقليله، لأنه من جملة نعم الله التي ينبغي عدم إهدارها.
* الوجه الخامس: زعم بعض الجهلة أن لعق الأصابع بعد الأكل أمر لا يناسب الذوق العام! وهذا جهل من صاحبه، لأن هذا الطعام المتبقي على الأصابع هو جزء من طعامه الذي كان يأكله قبل قليل، فلا ضير من أكله. ولأن أكل ما تبقى من الطعام على الأصابع بأطراف شفته ليس فيه ما ينافي الذوق، وهو خير من غسل ذلك الطعام وإلقاءه في مياه التصريف مع القاذورات بعد أن شبع، وكان قبل قليل من جوعه يبحث عنه، ويحرص عليه ويدفع فيه أغلى الأثمان!!
قال الإمام الخطابي ﵀: «عاب قوم أفسد عقلهم الترفه فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرًا لم يكن
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٣٢ - ٢٠٣٢).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٠٣٣).
[ ١٠٨ ]
الجزء اليسير منه مستقذرًا، وليس في ذلك أكبر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل في أن لا بأس بذلك» (^١).
* الوجه السادس: ذكر بعض الشرّاح: أن السنة لعق الأصابع ثلاث مرات وهذا خطأ، والصواب لعقها مرة واحدة بعد الفراغ من الطعام وقبل غسل اليد، ولا يلعق أثناء الأكل، لأنه سيضطر إلى إعادة إدخال الأصابع إلى الطعام مرة أخرى فيقذره (^٢).
* الوجه السابع: زعم بعض الناس أن الأكل بالملاعق بدعة مخالفة للسنة وأنه من التشبه بالكفار!!
وهذا خطأ في القول وخطأ في الاجتهاد، أولًا: لأن الأكل بالملاعق ليس من عادات الكفار الخاصة بهم حتى نعده من التشبه بهم، وثانيًا: لأن الملاعق مجرد وسيلة لإيصال الطعام إلى الفم، وهذه الوسيلة قد تختلف باختلاف عادات الناس وثقافاتهم، فمن الناس من يأكل بيده، ومنهم وهم أكثر الناس اليوم من يأكل بالملاعق، وكلا الأمرين داخل في باب المباحات، ولا دخل له في السنة أو البدعة أو التشبه، وهذا يشبه ركوب الناس قديمًا للخيل والحمير والبغال، واليوم أصبحوا يركبون السيارات والقطارات، ولا أحد يقول بأن ركوب الحمار سنة، ولا ركوب السيارة بدعة!!
* الوجه الثامن: يسن أكل ما سقط من المائدة أو القصعة أو اليد من الطعام بعد مسح الأذى عنه، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر
_________________
(١) «فتح الباري» ٩/ ٥٧٩.
(٢) ينظر مناقشة الروايات الواردة في ذلك في «جمع الوسائل» ١/ ١٨٨.
[ ١٠٩ ]
مرفوعًا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان» (^١).
* الوجه التاسع: دل حديث كعب بن مالك على أن السنة الأكل بثلاث أصابع، ولو احتاج إلى الأكل بأكثر منها جاز.
قال القاضي عياض: «الأكل بأكثر منها إنما هو من الجشع، وسوء الأدب فيه، وتكثير اللقم، وذلك من غير آدابه ومستحسناته، إلا أن يضطر إلى غير ذلك» (^٢).
* الوجه العاشر: يستحب غسل اليد وتنظيفها قبل البدء بالطعام، خاصة إذا كانت متسخة، وقد ورد في ذلك حديث متكلم فيه لكن يمكن الاستئناس به، عن سلمان الفارسي مرفوعًا: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (^٣). والمقصود بالوضوء هنا المعنى اللغوي، وهو غسل اليدين والفم.
كما يستحب غسل اليد والفم وتنظيفهما بعد الفراغ من الطعام، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح على شرط مسلم -كما قال ابن حجر (^٤) - عن أبي هريرة رفعه: «من نام وفي يده غَمَر - دسم - ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه «. لأن الهوام ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يده فتؤذيه.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٣٤ - ٢٠٣٣).
(٢) «إكمال المعلم» ٦/ ٥٠٢.
(٣) رواه الترمذي (١٨٤٦) وضعفه، لكن نقل المناوي تحسين إسناده عن المنذري في «فيض القدير» ٣/ ٢٠٠، وقواه علي القاري في «المرقاة» ٧/ ٢٧١٤ بمجموع طرقه.
(٤) «فتح الباري» ٩/ ٥٧٩.
[ ١١٠ ]
* الوجه الحادي عشر: هناك آداب نبوية أخرى ينبغي مراعاتها عند الأكل، ومنها: الأكل باليد اليمنى، والتسمية قبل الأكل، وحمد الله بعد الفراغ منه، وغير ذلك مما بينته السنة النبوية ولا مجال للتفصيل فيه الآن.
[ ١١١ ]