أي بيان الأحاديث الواردة في صفة خبز رسول الله -ﷺ-، وما فيه من التواضع وترك الترفه.
٢٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: «كان رسُول الله -ﷺ- يَبِيتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونُ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ».
* * *
٢٩ - وعَنِ أبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّقِيَّ يَعْنِي الحُوَّارَى؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رسول الله -ﷺ-؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ. قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طار ثم نثرّيه ثم نعجنه».
• الكلام على الحديثين من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براوييهما:
ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.
[ ١١٣ ]
وسهل بن سعد هو: ابن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي الأنصاري، أبو العباس، صاحب رسول الله -ﷺ-، روى حديثًا كثيرًا عن النبي -ﷺ-، وتوفي سنة: ٩١ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث ابن عباس أخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني، وشعيب الأرناؤوط، وقال عبد القادر الأرناؤوط: إسناده حسن.
وحديث سهل بن سعد أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه، ولفظه: عن أبي حازم، قال: سألت سهل بن سعد، فقلت: هل أكل رسول الله -ﷺ- النقي؟ فقال سهل: «ما رأى رسول الله -ﷺ- النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله». قال: فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله -ﷺ- مناخل؟ قال: «ما رأى رسول الله -ﷺ- منخلًا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله». قال: قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
(طاويًا): جائعًا خالي البطن.
(أهله): أهل الرجل: امرأته وولده والذين في عياله ونفقته.
(النقي): الخبز النقي الخالص من النخالة.
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٢٣٦٠).
(٢) «سنن ابن ماجه» (٣٣٤٧).
[ ١١٤ ]
(الحُوَّارى): بضم الحاء وتشديد الواو وراء مفتوحة: الدقيق الأبيض الذي نخل مرة بعد أخرى، وهو لب الدقيق.
(المنخل): أداة النخل، وهو الغربال الذي يغربل ويصفّى به القمح والشعير ونحوه من الشوائب.
(نثريه): نبله بالماء ونعجنه.
* الوجه الرابع: دل حديث ابن عباس على تقلل النبي -ﷺ- وأزواجه من الدنيا وصبرهم على الجوع وتجنب السؤال. وقد تقدم بيان أن فقره -ﷺ- إنما كان اختياريًا ولم يكن اضطراريًا، خاصة وقد جاءته الأموال الكثيرة في آخر حياته من كل مكان، لكنه -ﷺ- كان ينفقها على الفقراء والمحتاجين والضيفان والمؤلفة قلوبهم وغيرهم.
وقد جاء في الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، قلت: لا يا ربّ. ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» (^١).
* الوجه الخامس: دل حديث ابن عباس على أن أكثر خبز النبي -ﷺ- وأهل بيته كان من الشعير، وهو من أقل أنواع الخبز جودة، وكانوا يأكلونه من غير نخل، بل كانوا لا يشبعون منه يومين متتاليين، كما جاء في حديث عائشة: «ما شبع آل محمد -ﷺ- من خبز الشعير يومين متتاليين حتى قبض رسول الله -ﷺ-» (^٢).
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٢٣٤٧)، وقال: حديث حسن، وحسن إسناده عبد القادر الأرناؤوط.
(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (١٤٤)، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (١٢٣).
[ ١١٥ ]
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: «خرج رسول الله -ﷺ- من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» (^١).
* الوجه السادس: دل حديث سهل بن سعد وحديث ابن عباس على ضيق عيش النبي -ﷺ- وقلة اهتمامه بشأن الطعام، فإنه لا يعتني بشأن الطعام ويحرص عليه حرصًا زائدًا إلا أهل الشره والبطالة.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٤١٤).
[ ١١٦ ]