أي بيان الأحاديث الواردة في صفة إدام رسول الله -ﷺ- وما فيه من التواضع وترك الترفه. والإدام بكسر الهمزة: كل ما يؤكل مع الخبز، مائعًا أو جامدًا.
٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١)، وأخرج المصنف في الباب ومسلم في صحيحه (^٢) نحوه من حديث جابر بن عبد الله -﵄- أن النبي -ﷺ- سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌ، فدعا به، فجعل يأكل به، ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل»، هذا لفظ مسلم.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الخل): ما حمض من عصير العنب وغيره.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٠٥١).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٠٥٢).
[ ١١٧ ]
* الوجه الرابع: دل الحديث على فضل أكل الخل والائتدام به، ومعلوم أن الخل ليس أجود الأدم، ففي الأدم ما هو أجود منه كاللحم والعسل، لكن النبي -ﷺ- قال ذلك - كما ذكر شراح الشمائل - باعتبار الحال الحاضرة حينها، ومن باب جبر وتطييب خاطر أهل بيته الذين قدموا له ذلك الخل، يوضح هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن حديث جابر بن عبد الله -﵄- قال: أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي ذات يوم إلى منزله، فأخرج إليه فلقًا - كسرًا - من خبز، فقال: «ما من أدم؟»، فقالوا: لا إلا شيء من خل، قال: «فإن الخل نعم الأدم» (^١).
* الوجه الخامس: دل الحديث على الحث على الاقتصاد في الطعام، وترك التأنق والتوسع فيه، فيأتدم ولو بالخل وما تيسر.
* الوجه السادس: ذكر شرّاح الشمائل: أن النبي -ﷺ- لم يكن من عادته الكريمة حبس نفسه على نوع واحد من الأغذية، فإن ذلك يضر غالبًا بالصحة، وإن كان أفضل الأطعمة، لذلك كان يأكل ما اعتيد من لحم وفاكهة وتمر وغيره (^٢).
قلت: لا شك أن التنويع في الأطعمة من الأمور المطلوبة لحفظ صحة البدن، كما يؤكده الأطباء المختصون بعلوم التغذية.
* * *
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٠٥٢).
(٢) «أشرف الوسائل» ص ٢١٥، «جمع الوسائل» ١/ ١٩٩.
[ ١١٨ ]
٣١ - عَنْ زَهْدَمٍ الجَرْمِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئًا فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهَا! قَالَ: «ادْنُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رسُولَ الله -ﷺ- يأكل لحم دجاج».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو موسى الأشعري تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٠.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بلفظ أطول.
* الوجه الثالث: دل الحديث على حل أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو إجماع (^٢).
* الوجه الرابع: ذكر العلماء أن الدجاجة إذا كانت تتغذى غالبًا على القاذورات والنجاسات حتى أثَّر ذلك في لحمها، فهذه تسمى جلَّالة، والحكم فيها: ألا تؤكل حتى تحبس ثلاثة أيام، وتطعم طعامًا جيدًا حتى يطيب لحمها وتذهب عنها الخباثة، ثم يحل أكلها بعد ذلك.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٥١٨)، «صحيح مسلم» (١٦٤٩).
(٢) «فتح الباري» ٩/ ٦٤٨.
[ ١١٩ ]
وقد ورد في هذا أحاديث عدة، منها حديث عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن أكل الجلالة وألبانها» (^١).
وصح عن ابن عمر -﵄- أنه: كان إذا أراد أكل الدجاجة الجلالة حبسها ثلاثًا (^٢).
* * *
٣٢ - عَنْ أَبِي أَسِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو أَسيد بفتح الهمزة هو: ابن ثابت الأنصاري الزرقي المدني، معدود في الصحابة.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (^٣) وقال: غريب، وصححه الحاكم وأقره الذهبي (^٤)، وحسنه الألباني بمجموع طرقه وشواهده، وكذا حسنه عبدالقادر الأرناؤوط.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤) وحسنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٦٨٥٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٦٦٠ - ٨٨٤٧)، وصحح إسناده الألباني في «الإرواء» (٢٥٠٥).
(٣) «سنن الترمذي» (١٨٥٢).
(٤) «المستدرك» للحاكم (٣٥٠٤).
[ ١٢٠ ]
* الوجه الثالث: المقصود بالزيت هنا زيت الزيتون، بدليل قوله في الحديث: «فإنه من شجرة مبارك».
* الوجه الرابع: الحديث فيه فضل أكل زيت الزيتون والادهان به، وقد وصفه في الحديث بأنه من شجرة مباركة، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].
وقد ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد كثيرًا من فوائد زيت الزيتون ومنافعه، فيمكن مراجعته هناك (^١).
لكن نبّه العلامة المناوي؛ بأن الأمر بأكل الزيت والادهان به لا ينبغي أن يفهم منه الإكثار منه (^٢).
قلت: هذا كلام صحيح، فإن استحسان الشرع لشيء أو الأمر به لا يعني الاستكثار منه، وهذا مثل شرب العسل فإنه مستحسن، لكن الإكثار الزائد منه فيه مضرة.
* * *
_________________
(١) «زاد المعاد» ٤/ ٢٩١.
(٢) «فيض القدير» ٥/ ٤٣.
[ ١٢١ ]
٣٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعْجِبُهُ الدُّبَّاءُ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ أَوْ دُعِيَ لَهُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) مختصرًا ومطولًا، وفي أحد ألفاظه عند البخاري: عن أنس -﵁-، قال: دخلت مع النبي -ﷺ- على غلام له خيَّاط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، قال: وأقبل على عَمَلِه، قال: «فجعل النبي -ﷺ- يتتبع الدباء»، قال: فجعلت أتتبعه فأضعه بين يديه، قال: فما زلت بعد أحبّ الدباء.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الدباء): بالضم والتشديد والمد أو القصر: القرع، مفرده دباءة أو دباة، وهي ثمرة نبتة ليس لها ساق، وتسمى أيضًا باليقطين. وقال بعضهم: اليقطين يشمل كل شجرة ليس لها ساق نحو الدباء والبطيخ والحنظل.
* الوجه الرابع: في الحديث حل أكل الدباء، وهو من الثمار المفيدة الغنية بالفيتامينات والألياف. وقد نقل ابن كثير عن بعض العلماء من فوائد
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٤٢٠)، «صحيح مسلم» (٢٠٤١).
[ ١٢٢ ]
الدباء: سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطبوخًا بلبه وقشره أيضًا (^١).
والدباء في قول كثير من المفسرين هي الشجرة التي أنبتها الله ﷿ لنبي الله يونس ﵇ عندما أخرجه من بطن الحوت، فكانت له ظلًا وغذاء ودواء، كما قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات ١٤٥ - ١٤٦].
* الوجه الخامس: استحب بعض العلماء أكل الدباء وأكل كل ما كان رسول الله -ﷺ- يحبه (^٢).
لكن فرق بعض العلماء بين محبة النبي -ﷺ- وكرهه الشرعي، وبين محبته وكرهه الإنساني، فالقدوة إنما هي في المحبة والكره الشرعيين، كمحبته -ﷺ- لأصحابه -﵃-، ومحبته -ﷺ- للتيمن في تنعه وترجله وطهوره. أما المحبة أو الكره الطبيعي فلا قدوة فيه، كمحبته -ﷺ- لأكل الحلواء والعسل ومحبته للدباء والثريد، وكرهه أكل الضبّ، وقوله: «أجدني أعافه»، فإن الصحابة لم يقتدوا به في ذلك، بل أكله خالد بن الوليد على مائدته -ﷺ-.
* الوجه السادس: استشكل بعضهم تتبع النبي -ﷺ- للدباء حوالي القصعة، مع أنه ثبت عنه الأمر بالأكل مما يليه، كما في حديث عمر بن أبي سلمة -﵄- قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله -ﷺ-، وكانت يدي تطيش في
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» ٧/ ٤٠.
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٣/ ٢٢٤.
[ ١٢٣ ]
الصحفة، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «يا غلام، سمّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك» (^١).
وأجاب بعض العلماء بأن الأمر يقصد به ما إذا كان الطعام لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه، أما إذا كان أكثر من لون فيجوز، وحمل فعله -ﷺ- في هذا الحديث على ذلك، فقال: كان الطعام مشتملًا على مرق ودباء وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد.
وقال بعضهم: إنما فعل النبي -ﷺ- ذلك لأن الطعام كان له وحده ومعه خادمه، وأما إن كان معه غيره فالمستحب أن يأكل مما يليه.
وهناك احتمال أن يكون معنى تتبع النبي -ﷺ- للدباء إنما كان من ناحيته وجهته، وليس من جميع جهات القصعة، وكل هذه التوجيهات محتملة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٣٧٦)، «صحيح مسلم» (٢٠٢٢).
[ ١٢٤ ]