عند الطعام
أي بيان الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول الله -ﷺ- عند الطعام، والمراد بالوضوء هنا - على الأرجح - معناه اللغوي، وهو غسل اليدين، ويدل عليه قوله: «عند الطعام»، أي قبله وبعده، وأما الوضوء الشرعي فهو غير واجب ولا مستحب عند الطعام.
٣٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ رسول الله -ﷺ- خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فَقَالُوا: أَلَا نَأتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ»، وفي رواية أخرى في الشمائل: فقال -ﷺ-: «أأصلي فأتوضأ؟».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١) بنحوه، ولفظه عن ابن عباس: «أن
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٣٧٤).
[ ١٢٥ ]
النبي -ﷺ- خرج من الخلاء، فأتي بطعام»، فذكروا له الوضوء فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ؟».
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن تناول الطعام ليس له وضوء شرعي، لا وجوبًا ولا ندبًا، وإنما يجب للصلاة، فكأن النبي -ﷺ- قال لهم: الوضوء الشرعي إنما يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن.
* الوجه الرابع: ذكر كثير من الشرّاح: أنه يستحب غسل اليدين وتنظيفها قبل البدء بالطعام، خاصة إذا كانت متسخة، وقد ورد في ذلك حديث متكلم في صحته، لكن يمكن الاستئناس به عن سلمان الفارسي مرفوعًا: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (^١). والمقصود بالوضوء هنا غسل اليدين والفم.
كما يستحب غسل اليد والفم وتنظيفهما بعد الفراغ من الطعام، وقد ورد فيه حديث عند أبي داود بسند صحيح على شرط مسلم، كما قال الحافظ ابن حجر (^٢)، عن أبي هريرة رفعه: «من نام وفي يده غَمَر - دسم - ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه «(^٣). لأن الهوام ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام فتؤذيه.
* الوجه الخامس: أجمع العلماء على أن المحدث (غير المتوضئ) له
_________________
(١) رواه الترمذي (١٨٤٦)، وضعفه، لكن نقل المناوي في «فيض القدير» ٣/ ٢٠٠ تحسين إسناده عن المنذري، وقواه علي القاري في «المرقاة» ٧/ ٢٧١٤ بمجموع طرقه.
(٢) «فتح الباري» ٩/ ٥٧٩.
(٣) «سنن أبي داود» (٣٨٥٢).
[ ١٢٦ ]
أن يأكل ويشرب، ويذكر الله ﷾ ويقرأ القرآن، ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السُّنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة كما أفاده الإمام النووي ﵀ (^١).
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي ٤/ ٦٩.
[ ١٢٧ ]