أي بيان الأذكار الواردة عن رسول الله -ﷺ- قبل أكل الطعام وبعدما يفرغ منه، ويلحق به الشرب أيضًا.
٣٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ -﵄- أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى رسول الله -ﷺ- وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَالَ: «ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عمر بن أبي سلمة: هو: ابن عبد الأسد بن هلال المخزومي القرشي، أبو حفص، صاحب رسول الله -ﷺ- وربيبه، ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر، وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان، سنة: ٨٣ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري (^١) ومسلم (^٢) في الصحيحين، ولفظه عند
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٣٧٦).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٠٢٢).
[ ١٢٩ ]
البخاري: عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله -ﷺ-، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد. ورواية مسلم نحوها.
* الوجه الثالث: اشتمل هذا الحديث على ثلاثة آداب من آداب الأكل، وهي التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، وسنذكر تفصيل القول فيها في الوجوه التالية.
* الوجه الرابع: دل الحديث على الأمر بالتسمية في ابتداء الطعام ويلحق به الشراب، وهي من أسباب حصول البركة، ومنع الشيطان من مشاركة الإنسان في طعامه وشرابه.
واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، والجمهور على الندب، كما ذكره العيني وغيره (^١).
* الوجه الخامس: المقصود بالتسمية الواردة في الحديث، أن يقول: باسم الله في ابتداء الأكل، يوضحه حديث عائشة مرفوعًا: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره» (^٢).
وأما قول بعض العلماء: الأفضل أن يقول: باسم الله الرحمن الرحيم، فقد ردّه الحافظ ابن حجر بأنه لا دليل عليه. كذلك رد الحافظ ابن حجر على
_________________
(١) «عمدة القاري» ٢١/ ٢٩، «جمع الوسائل» ١/ ٢٣٥.
(٢) رواه أبو داود (٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٨)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٥٢١٤)، والحاكم في «المستدرك» (٧٠٨٧)، والألباني في «صحيح الجامع» (١٣٢٣).
[ ١٣٠ ]
من استحب التسمية مع كل لقمة، وقال إنه لا دليل عليه (^١).
* الوجه السادس: ذكر العلماء أن من نسي التسمية في أول الأكل أو الشرب: ثم تذكرها أثناء ذلك أو بعد الفراغ منهما، فإنه يستحب له الإتيان بها تداركًا لما فات، لحديث عائشة المرفوع المتقدم في الوجه الخامس، وفيه: «فليقل بسم الله في أوله وآخره».
* الوجه السابع: دل الحديث كذلك على الأمر بالأكل باليمين، ويلحق به الشرب.
واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، فذهب الجمهور إلى الندب (^٢)، والأقوى أنه للوجوب، كما هو قول بعض العلماء (^٣) لما ثبت عن ابن عمر، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (^٤)، فهذا الحديث يدل على أن المسلم يجب عليه اجتناب أفعال الشيطان.
أيضًا ثبت من حديث سلمة بن الأكوع: أن رجلًا أكل عند رسول الله -ﷺ- بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (^٥). ولا يدعو -ﷺ- إلا على من ترك واجبًا. وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معًا.
_________________
(١) «فتح الباري» ٩/ ٥٢١.
(٢) «سبل السلام» ٢/ ٦٢٦.
(٣) «فتح الباري» ٩/ ٥٢٢، «سبل السلام» ٢/ ٢٣٣.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٠٢٠).
(٥) «صحيح مسلم» (٢٠٢١).
[ ١٣١ ]
واستثنى العلماء المعذور والمريض في الأكل والشرب بالشمال، لعموم الأدلة القاضية برفع الحرج عنهما.
* الوجه الثامن: دل الحديث على الأمر بأكل الإنسان مما يليه.
واختلف هل الأمر فيه للوجوب أم للندب؟ والأكثر على الندب، وقوَّى بعض العلماء القول بالوجوب لظاهر الأمر، ولما في الأكل مما يلي الآخرين من سوء الأدب والشَرَه وتقزز نفوس الناس ممن يمد يده إلى ما يليهم.
وقد حمل العلماء هذا الأمر على الطعام الذي يكون من جنس واحد، أما إذا كان الطعام من أجناس مختلفة كالتمر والفاكهة، فللمرء أن يأكل من أي موضع من الطبق وينتقي ما تشتهيه نفسه.
* * *
٣٦ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رُفِعَتِ المَائِدَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ: «الحمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مُودَعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أُبو أمامة هو: صُدي بن عجلان بن وهب الباهلي، صاحب رسول الله -ﷺ-، مشهور بكنيته، روى عنه حديثًا كثيرًا، وسكن حمص، وتوفي بها، سنة: ٨٦ هـ على المشهور.
[ ١٣٢ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (^١) ولفظه: أن النبي -ﷺ- كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودعَّ ولا مستغنى عنه، ربنا»، بزيادة «غير مكفي». وفي أحد ألفاظ البخاري: «الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مكفي ولا مكفور» (^٢).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(غير مودَّع): بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة، أي: أن ذلك الحمد غير متروك، بل يجب الاشتغال به على الدوام، حتى لا تنقطع النعم.
(ولا مستغنى عنه): أي لا يستغني عن الحمد أحد.
(غير مكفي): أي أن هذا الحمد لا يُكتفى به، بل يجب المزيد منه، وقيل غير ذلك.
(ولا مكفور): أي لا يجحد فضله ولا تنكر نعمته.
* الوجه الرابع: دل الحديث على فضل هذا الذكر، وأن من السنة الإتيان به بعد الفراغ من الطعام تأسيًا بالنبي -ﷺ-.
والطعام من أجلّ النعم التي بها قوام الحياة. فإذا اقترن بذكر الله في أوّله، وشكره في آخره، أدى إلى دوام النعم واستمرارها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
وفي الصحيح من رواية أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٤٥٨).
(٢) المصدر السابق (٥٤٥٩).
[ ١٣٣ ]
ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (^١).
* الوجه الخامس: وردت في السُّنة المطهرة أدعية عدة، يستحب قولها بعد الفراغ من الطعام، منها حديث الباب الذي شرحناه، ومنها حديث أبي سعيد الخدري؛ أن النبي -ﷺ- كان إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» (^٢).
ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجًا» (^٣).
ومنها حديث عبد الرحمن بن جبير، عمن خدم النبي -ﷺ- ثمان سنين، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: إذا قُرّبَ إليه طعامًا قال: «بسم الله»، فإذا فرغ من طعامه قال: «اللهم أطعمت، وأسقيت، وأغنيت، وأقنيت، وهديت، واجتبيت، فلك الحمد على ما أعطيت» (^٤).
وكان -ﷺ- إذا فرغ من الطعام عند قوم يقول: «اللهم، بارك لهم في ما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» (^٥).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٧٣٤).
(٢) رواه أبو داود (٣٨٥٠)، وضعفه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
(٣) رواه أبو داود (٣٨٥١)، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (٦٧٩).
(٤) رواه النسائي في «الكبرى» (٦٨٧١) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٩/ ٥٨١.
(٥) «صحيح مسلم»، من حديث عبد الله بن بسر (٢٠٤٢).
[ ١٣٤ ]
وأحيانًا كان يقول: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة» (^١).
* الوجه السادس: ذكر بعض العلماء بأن أصل السنة يحصل بأي لفظ اشتق من مادة «ح م د»، كأن يقول الحمد الله، أو حمدًا لله، أو أحمدك يا الله، بل يحصل بكل ما يدل على الثناء على الله تعالى، وما مَرَّ ذكره من الأدعية إنما هو لبيان الأكمل والأفضل (^٢).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٣٨٥٤)، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (٦٨٦)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (١٥٧٠).
(٢) «دليل الفالحين» ٤/ ٣٤٠.
[ ١٣٥ ]