أي بيان الأحاديث الواردة في صفة قدح رسول الله -ﷺ-. والقدح بفتح القاف والدال: الإناء الذي يشرب به الماء والنبيذ ونحوهما، وهو عادة متوسط الحجم، لا بالصغير ولا بالكبير، وقد ذكر شرّاح الشمائل: أن النبي -ﷺ- كان له أكثر من قدح.
٣٧ - عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: «أَخَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَدَحَ خَشَبٍ غَلِيظًا مُضَبَّبًا بِحَدِيدٍ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ هَذَا قَدَحُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-».
* * *
٣٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: «لَقَدْ سقيتُ رسُولَ الله -ﷺ- بِهَذَا القَدَحِ الشَّرَابَ كُلَّهُ: المَاءَ وَالنَّبِيذَ وَالعَسَلَ وَاللَّبَنَ».
• الكلام على الحديثين من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويهما:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث أنس الأول أخرجه البخاري (^١) في صحيحه من طريق عاصم
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٦٣٨).
[ ١٣٧ ]
الأحول قال: رأيت قدح النبي -ﷺ- عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نُضَار (^١)، قال: قال أنس: «لقد سقيت رسول الله -ﷺ- في هذا القدح أكثر من كذا وكذا».
وحديث أنس الثاني أخرجه مسلم في صحيحه (^٢).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
(مضببًا): تضبيب الإناء إصلاحه بلحام من حديد أو غيره، والضبّة: حديدة عريضة تجمع الخشب وتلمّ بعضه إلى بعض حتى يتماسك.
(النبيذ): ماء يطرح فيه تمرات أو زبيب وغيره من الحلويات ليحلو. وكان ينبذ للنبي -ﷺ- أول الليل، ويشرب منه إذا أصبح، ولم يكن يشربه بعد ثلاثة أيام خوفًا من تغيره إلى الإسكار (^٣).
* الوجه الرابع: الحديث فيه بيان صفة قدح النبي -ﷺ- الذي كان يشرب فيه، وأنه كان عريضًا مصنوعًا من الخشب الخالص الغليظ.
* الوجه الخامس: أفاد حديث أنس بأن إناء النبي -ﷺ- كان قد أصابه تصدع وتشقق فاتخذ مكان الصدع ضبّة، واختلفت الروايات في نوع هذه الضبّة، فرواية الترمذي في الباب تقول بأنها كانت من حديد، ورواية البخاري تقول بأنها كانت من فضة، فبعض العلماء قدم رواية البخاري وقال: إنها أصح، وهناك احتمال أن تكون ضبّة الحديد كانت في القدح أولًا، ثم لما
_________________
(١) النُّضارة: الخالص من العود، وهو أجود الخشب للآنية.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٠٠٨).
(٣) «صحيح مسلم» (٢٠٠٤).
[ ١٣٨ ]
صُدع سلسله بفضة، فصار فيه الضبّتان (^١).
* الوجه السادس: دلت رواية البخاري لحديث أنس على جواز تضبيب الإناء بالفضة، عند الحاجة إلى ذلك، أما إذا كان لمجرد الزينة فلا، على خلاف بين العلماء في هذه المسألة.
* الوجه السابع: كان السلف رضوان الله عليهم يحرصون على رؤية هذا القدح، والشرب منه من باب التبرك بمتعلقات رسول الله -ﷺ-، وقد ذكر الإمام القرطبي أنه رأى في بعض النسخ القديمة من البخاري: قال أبو عبد الله البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه (^٢).
وفي صحيح البخاري: أن عمر بن عبد العزيز ﵀، كان قد استوهب من سهل بن سعد -﵁- قدحًا كان قد سقى النبي -ﷺ- منه (^٣).
_________________
(١) نقله الشحاري في «منتهى السؤل» ٢/ ٢٧٣.
(٢) «فتح الباري» ١٠/ ١٠٠.
(٣) «صحيح البخاري» (٥٦٣٧).
[ ١٣٩ ]