أي بيان الأحاديث الواردة في صفة فاكهته -ﷺ-. والفاكهة هي ما يتفكه به الإنسان، أي يتنعم ويتلذذ بأكله، كالرطب والزبيب والتين والرمان ونحوه.
٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جعفر -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَأْكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبد الله بن جعفر هو: بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، معدود في صغار الصحابة، كفله النبي -ﷺ- بعد استشهاد أبيه، فنشأ في حجره، وقد توفي بالمدينة، سنة: ٨٠ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١)، ولفظه عندهما: «رأيت رسول الله -ﷺ- يأكل القثاء بالرطب».
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(القثاء): ثمرة تشبه الخيار في الشكل والطعم، لكنها أكبر منه.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٤٤٠)، «صحيح مسلم» (٢٠٤٣).
[ ١٤١ ]
* الوجه الرابع: ذكر الشراح ﵏ أن النبي -ﷺ- كان يجمع بين القثاء والرطب، لأن القثاء فيها برودة على المعدة، والرطب فيه حرارة، فكان يجمع بينهما ليدفع ضرر كل منهما بالآخر ويحصل اعتدال بأكلهما معًا.
ويوضح هذا حديث عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يأكل الطبيخ (^١) بالرطب، فيقول: «نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا» (^٢).
* الوجه الخامس: ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان يجمع في أكله أيضًا بين البطيخ والرطب كما تقدم، وبين الخربز والرطب (^٣) للعلة نفسها.
* الوجه السادس: يؤخذ من حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معًا، وبَوَّبَ عليه البخاري بقوله: «باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة»، وجواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف في ذلك، لكن العلماء كرهوا الإكثار حتى لا يعتاد الرفاهية (^٤).
* * *
٤٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا،
_________________
(١) الطبيخ لغة في البطيخ.
(٢) «سنن أبي داود» (٣٨٣٦)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده جيد.
(٣) رواه أحمد (١٢٤٤٩)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٤) «فتح الباري» ٩/ ٥٧٣، «إرشاد الساري» ٨/ ٢٤٣.
[ ١٤٢ ]
اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول في التعريف براويه:
أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(صاعنا)، الصاع: مكيال تكال به الحبوب ونحوها، وقدّره جمهور العلماء بأربعة أمداد، وهو ما يعادل تقريبًا: (٢١٧٢) غرامًا.
(مُدنا)، المد بضم الميم: مكيال تكال به الحبوب ونحوها، وقدَّره جمهور العلماء تقريبًا: (٥٤٣) غرامًا تقريبًا.
* الوجه الرابع: مقصود الحديث: أن الناس كانوا إذا طلع أول الثمر من التمر، أهدوا منه للنبي -ﷺ- رغبة منهم في دعائه ومباركته، وإعلامًا له -ﷺ- بابتداء صلاحه لما يتعلق به من الزكاة وغيرها، وتوجيه الخارصين، كما أفاده الإمام النووي ﵀ (^٢).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٣٧٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي ٩/ ١٤٦.
[ ١٤٣ ]
وقال العلامة الزرقاني ﵀: إنهم كانوا يفعلون ذلك؛ «إما هدية وجلالة ومحبة وتعظيمًا، وإما تبركًا بدعائه لهم بالبركة، وهو الذي يغلب على ظني» (^١).
وقال الباجي ﵀: «قوله -﵁-: كان الناس إذا رأوا أول الثمر يريد: أول ثمر النخل؛ لأنه هو مقصود ثمارهم» (^٢).
* الوجه الخامس: قوله في الحديث: «اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا» المراد به: الدعاء بحصول البركة الدينية والدنيوية، وقد استجاب الله ﵎ لنبيه هذا الدعاء، فأصبحت المدينة وثمرها أعظم بركة من غيرها، كما هو مشاهد، وأصبح المد والصاع فيها يكفي ما لا يكفي في غيرها.
* الوجه السادس: في الحديث دليل على ما كان عليه -ﷺ- من مكارم الأخلاق، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الصغار، وقد خصهم بإعطاء ذلك الثمر لكونهم أرغب فيه، وأكثر تطلعًا إليه وحرصًا عليه من غيرهم (^٣).
* الوجه السابع: دل الحديث أيضًا على فضل المدينة حيث دعا لها النبي -ﷺ- بالبركة وأن يجعل فيها ضعف ما بمكة من البركة، وقد استجاب الله ﵎ له هذا الدعاء. والأحاديث الواردة في فضائل المدينة كثيرة شهيرة.
_________________
(١) «شرح الموطأ» للزرقاني ٤/ ٣٤٤.
(٢) «المنتقى شرح الموطأ» ٧/ ١٨٨.
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي ٩/ ١٤٦.
[ ١٤٤ ]