أي بيان الأحاديث الواردة في صفة شراب رسول الله -ﷺ-. والشراب: ما يشرب من السوائل، كالماء والنبيذ وغيرهما.
٤١ - عن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلى رسول الله -ﷺ- الحلو البارد».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي (^١) في السنن وأعله بالإرسال، فقال: «والصحيح ما روي عن الزهري عن النبي -ﷺ- مرسلًا». لكن صحح الحديث الحاكم في المستدرك (^٢) وأقره الذهبي، وصححه الألباني (^٣) وشعيب الأرناؤوط (^٤) بشواهده.
* الوجه الثالث: في الحديث بيان للشراب الذي كان يحبه -ﷺ-، وهو ما
_________________
(١) «سنن الترمذي» (١٨٩٥).
(٢) «مستدرك الحاكم» (٧٢٠٠).
(٣) «الصحيحة» (٣٠٠٦).
(٤) تحقيق «مسند أحمد» (٢٤١٠٠).
[ ١٤٥ ]
جمع صفتين: الحلاوة والبرودة. وهذا يشمل: الماء العذب، والماء الممزوج بالعسل، أو الذي نُقِعَ فيه تمر أو زبيب ليحلو. والمراد بالبارد: أي برودة معتدلة، وكذلك الحلاوة المعتدلة.
وقد ذكر ابن القيم ﵀: أن الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فإنه يكون من أنفع الأشياء للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وتحصل به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء (^١).
* الوجه الرابع: ومن محبة النبي -ﷺ- للماء العذب؛ ما روته السيدة عائشة -﵂-: «أن النبي -ﷺ- كان يُستعذَب له الماء من بيوت السقيا». وهي عين بينها وبين المدينة يومان (^٢).
ومعنى «يُستعذَب له الماء» أي يطلب له الماء العذب ويحضر له من تلك العين لكون كثير من مياه المدينة كان مالحًا.
* الوجه الخامس: قال العلماء ﵏: تبريد الماء وتحليته لا ينافي كمال الزهد، لأن فيه مزيد الشهود لنعم الله تعالى وإخلاص الشكر له، وليس في شرب الماء المالح فضيلة (^٣).
وقد رَدّ الإمام ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) على بعض جهلة المتصوفة الذين يتقربون إلى الله بترك شرب الماء البارد، والماء الصافي، وبيّن خطأهم ومخالفتهم للهدي النبوي، وقال: إن شرب الماء الكدر يولّد الحصا في
_________________
(١) «زاد المعاد» ٤/ ٢٠٦.
(٢) «سنن أبي داود» (٣٧٣٥)، وجود إسناده الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١٠/ ٧٤.
(٣) حاشية الباجوري على «الشمائل» ص ٣٢٢.
[ ١٤٦ ]
الكلى والسدد في الكبد، وأن النفس لها حق على صاحبها، وليس للمرء أن يؤذي نفسه (^١).
* * *
٤٢ - عن ابن عباس -﵄- قال: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عن شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: «الشَّرْبَةُ لَكَ. فَإِنْ شِئِتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا». فَقُلْتُ: مَا كنت لأوثر على سُؤْرِكَ أَحدًا، ثُمَّ قَالَ رسولُ الله -ﷺ-: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ الله ﷿ لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ»، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي (^٢) في السنن بتمامه وحسنه، وأخرجه أبو
_________________
(١) «تلبيس إبليس» ص ١٩٥.
(٢) «سنن الترمذي» (٣٤٥٥)،
[ ١٤٧ ]
داود (^١) وابن ماجه (^٢) مختصرًا، وحسنه ابن القيم (^٣)، والحافظ ابن حجر (^٤).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(اللبن): المراد به: الحليب الطبيعي الذي يحلب من ضروع المواشي، وأما اللبن المعروف اليوم بالرائب؛ فهذا يُصَنَّع من الحليب بطريقة خاصة.
* الوجه الرابع: ميمونة الواردة في الحديث هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بنت حزن الهلالية -﵂-، زوج النبي -ﷺ- وكانت خالة لابن عباس وخالد بن الوليد، وهذا يوضح سبب دخولهما عليها في الحديث.
* الوجه الخامس: دل الحديث على أن السنة تقديم من على اليمين على من على الشمال في الشرب ولو كان أقلّ سنًا أو أقل فضلًا، حيث قدَّم النبي -ﷺ- ابن عباس على خالد بن الوليد وهو أكبر سنًا وقدرًا من ابن عباس.
ومن نظائر هذا أن النبي -ﷺ- أتي مرة بلبن فشرب منه، وكان عن يساره أبو بكر الصديق وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن» (^٥).
لكن قال العلماء إن الأيمن له أن يؤثر الأيسر في الشراب على نفسه، لقول النبي -ﷺ- في الحديث: «إن شئت آثرتَ بها خالدًا».
* الوجه السادس: دل الحديث على فضل اللبن، وأنه أفضل الأغذية
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٣٧٣٠).
(٢) «سنن ابن ماجه» (٣٤٢٦).
(٣) «زاد المعاد» ٢/ ٣٦٦.
(٤) «نتائج الأفكار»
(٥) «صحيح البخاري» (٥٦١٢).
[ ١٤٨ ]
على الإطلاق، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥].
وفي الصحيحين أن النبي -ﷺ- لما أسري به إلى بيت المقدس، أتاه جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من عسل وإناء من لبن، فاختار اللبن، فقال له جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك (^١). وقد قيل: إن سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه.
* الوجه السابع: اختلف أيهما أفضل اللبن أم العسل الذي أخبر الله بأن فيه شفاء؟ ففضل بعضهم اللبن، وعكس البعض، وجمع ابن رسلان بأن الأفضل من جهة التغذي والري اللبن، والعسل أفضل من جهة التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها (^٢).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٨٨٧)، «صحيح مسلم» (٢٥٩)، واللفظ للبخاري.
(٢) «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان ١٥/ ٢٧٣.
[ ١٤٩ ]