أي بيان الأحاديث الواردة في صفة شربه -ﷺ-، وما يتعلق بذلك من أحكام وآداب شرعية.
٤٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يشربُ قائمًا وقاعدًا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
راوي الحديث هو الصحابي الجليل: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السَّهمي، أبو محمد، أحد فضلاء الصحابة وعلمائهم ونساكهم، ومن أكثرهم رواية للحديث، توفي سنة: ٦٥ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي (^١) في السنن وحسنه، وحسنه الألباني وقال: إن له شواهد كثيرة (^٢).
_________________
(١) «سنن الترمذي» (١٨٨٣).
(٢) «مختصر الشمائل» (١٧٧).
[ ١٥١ ]
* الوجه الثالث: دل حديث الباب على جواز الشرب حال القعود وهو إجماع، وكذا على جواز الشرب حال القيام. وقد وردت أحاديث أخرى تشهد لذلك، منها: حديث النَّزَّال بن سَبْرَة، قال: أتى عليٌّ -﵁- على باب الرَّحبة فشرب قائمًا، فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني «رأيت النبي -ﷺ- فعل كما رأيتموني فعلت» (^١).
ومنها حديث ابن عباس -﵄-، قال: «شرب النبي -ﷺ- قائمًا من زمزم» (^٢).
ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص: «أن النبي -ﷺ- كان يشرب قائمًا» (^٣).
ومنها حديث ابن عمر -﵄- قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله -ﷺ- ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» (^٤).
وقد عارض هذه الأحاديثَ أحاديثُ أخرى وردت في النهي عن الشرب قائمًا، منها: حديث أنس بن مالك -﵁- «أن النبي -ﷺ- زجر عن الشرب قائمًا» (^٥).
ومنها: حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يشربن أحد منكم قائمًا، فمن نسي فليستقي» (^٦).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٦١٥).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٦١٧).
(٣) رواه الترمذي في «الشمائل» (١٨٤)، وحسن إسناده العيني في «عمدة القاري» ٢١/ ١٩٢
(٤) «سنن الترمذي» (١٨٨٠)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(٥) «صحيح مسلم» (٢٠٢٤).
(٦) «صحيح مسلم» (٢٠٢٦).
[ ١٥٢ ]
وقد اختلف في الجمع بين هذه النصوص، والذي عليه الأئمة الجامعون بين الفقه والحديث، كالإمام الخطابي والبغوي والمازري والقاضي عياض والنووي؛ أن النهي محمول على التنزيه والإرشاد والتأديب، لا على التحريم، وأما شربه -ﷺ- قائمًا فلبيان الجواز (^١). قال الحافظ ابن حجر: «وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض» (^٢).
* الوجه الرابع: قال ابن القيم: «وللشرب قائمًا آفات عديدة، منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويشوشها، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب، وأما إذا فعله نادرًا أو لحاجة لم يضره» (^٣) انتهى كلامه ﵀.
* الوجه الخامس: ورد في صحيح مسلم من طريق عمر بن حمزة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يشربن أحد منكم قائمًا، فمن نسي فليستقي» (^٤).
وهذا الحديث الذي فيه الأمر بالاستقاء لمن شرب قائمًا؛ تكلم فيه بعض أهل العلم، بالرغم من إخراج مسلم له، فقال القاضي عياض: «لا خلاف بين أهل العلم أن من يشرب قائمًا ناسيًا فليس عليه أن يستقي،
_________________
(١) «عمدة القاري» ٢١/ ١٩٣.
(٢) «فتح الباري» ١٠/ ٨٤.
(٣) «زاد المعاد» ٤/ ٢١٠.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٠٢٦).
[ ١٥٣ ]
وعمر بن حمزة لا يتحمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف على أبى هريرة.» (^١).
وأعلَّ هذه اللفظة الألباني بالنكارة، وقال: «وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، ولذلك أورده الذهبي في «الميزان» وذكره في «الضعفاء»، وقال: «ضعفه ابن معين لنكارة حديثه». وقال الحافظ في «التقريب»: «ضعيف». انتهى كلام الألباني (^٢).
نعم صحح الألباني حديثًا آخر في الأمر بالاستقاء وهو حديث أبي زياد الطحان، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: عن النبي -ﷺ-: أنه رأى رجلًا يشرب قائمًا، فقال له: «قِهْ» قال: لَِمهْ؟ قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر؟» قال: لا. قال: «فإنه قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان» (^٣).
لكن خالفه الشيخ شعيب الأرناؤوط ﵀، وأعل الحديث، فقال: «غريب تفرد بروايته أبو زياد الطحان عن أبي هريرة، والغرابة بينة في متنه» (^٤).
قلت: أبو زياد الطحان قال عنه الذهبي: «لا يُعرف»، لكن نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين توثيقه، وقال أبو حاتم: شيخ صالح الحديث، فمثل هذا لا يحتمل التفرد برواية هذا الحديث، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) «إكمال المعلم» ٦/ ٤٩١ باختصار.
(٢) «الضعيفة» للألباني (٩٢٧).
(٣) «مسند أحمد» (٨٠٠٣)، «الصحيحة» للألباني (١٧٥).
(٤) تعليق شعيب الأرناؤوط على «مسند أحمد» (٨٠٠٣).
[ ١٥٤ ]
٤٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-: كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ثَلَاثًا إِذَا شَرِبَ، وَيَقُولُ: «هُوَ أَمْرَأُ وَأَرْوَى».
• الكلام على الحديث من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه: …
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، ولفظه: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ» (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(أمرأ): أي أسوغ وأكثر انسيابًا وهضمًا.
(أروى): أي أكثر ريًا وأقمع للعطش.
(أبرأ): أي أكثر برأ وصحة وأسلم من الأذى الذي يحصل بسبب الشرب دفعة واحدة.
* الوجه الرابع: معنى قوله: «كان يتنفس في الإناء ثلاثًا إذا شرب» أي: كان من عادته -ﷺ- ألا يشرب دفعة واحدة، وإنما يشرب على ثلاث دفعات، فيشرب، ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود فيشرب، ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود يشرب الثالثة. وكان يقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، أي أن هذه الطريقة في الشرب أكثر ريًا للشارب، وأكثر انسيابًا للشراب في جوفه، وأكثر حفظًا لصحته.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٠٢٨).
[ ١٥٥ ]
* الوجه الخامس: ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري -﵁- مرفوعًا: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» (^١). ولا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث الباب، لأن مقصوده: النهي عن التنفس داخل الإناء أي أثناء الشرب، فإن هذا يعكر الشراب ويقذره، وربما أورث ريحًا كريهة في الإناء فيعافه من يشرب بعده فلذلك نهى عنه، وهذا يتفق مع حديث الباب، فإن النبي -ﷺ- كان يتنفس خارج الإناء.
قال الحافظ ابن حجر: «وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النَفَس بصاق أو مخاط أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه» (^٢).
وإذن فالمستحب هو التنفس خارج الإناء، كما أفاده حديث أنس -﵁-، والمكروه هو التنفس داخل الإناء، كما أفاده حديث أبي قتادة -﵁-، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١٥٣)، «صحيح مسلم» (٢٦٧)، واللفظ للبخاري.
(٢) «فتح الباري» ١/ ٢٥٣.
[ ١٥٦ ]