تقدم في الباب الأول بيان صفة شعر النبي -ﷺ-، وفي هذا الباب ذكر المصنف جملة من الأحاديث المتعلقة بمقدار طول شعره -ﷺ- وطريقة ترجيله وغير ذلك من الأخبار.
٣ - عَنْ أَنَس بن مالك -﵁-: «أَنَّ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كانَ إِلَى أَنصَافِ أُذُنَيْهِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١).
* الوجه الثالث: دلّ الحديث على أن شعر النبي -ﷺ- كان يبلغ طوله إلى أنصاف أذنيه. لكن هذه لم تكن الحال الوحيدة لشعره -ﷺ-، فقد وردت أحاديث أخرى تفيد بأن شعره -ﷺ- كان يبلغ أحيانًا منكبيه، كما في حديث
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٣٨).
[ ٢٥ ]
البراء بن عازب -﵁- قال: «ما رأيت من ذي لِمَّة (^١) أحسن في حلة حمراء من رسول الله -ﷺ- شعره يضرب منكبيه» (^٢).
وثبت من حديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ-: «كان له شعر فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة» (^٣).
والجُمّة: الشعر يسقط على المنكبين، والوَفْرة: الشعر إذا وصل شحمة الأذن، كما في النهاية لابن الأثير.
وهذه الروايات وإن كانت متعارضة في الظاهر، لكن ليس الأمر كذلك، فقد جمع العلماء بينها بأجوبة أقواها وأرجحها: أن شعره -ﷺ- كان يختلف طولًا وقصرًا من وقت لآخر، فكان يطول أحيانًا ويقصر أحيانًا، فكل صحابي وصف ما رأى، قال الإمام النووي ﵀: إن ذلك يرجع لاختلاف الأوقات، فإذا غفل -ﷺ- عن تقصيره بلغ المنكب، وإذا قصره كان إلى أنصاف الأذنين، فكان يقصر ويطول بحسب ذلك (^٤).
وبنحوه قال الإمام ابن كثير: «ولا منافاة بين الحالين، فإن الشعر تارة يطول، وتارة يقصر منه، فكل حكى بحسب ما رأى» (^٥).
وقال الحافظ ابن حجر: «كون شعره -ﷺ- كان إلى قرب منكبيه كان غالب
_________________
(١) (اللمة) بالكسر: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهي جُمة، كما في مختار الصحاح.
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٥١)، «صحيح مسلم» (٢٣٣٧) واللفظ له.
(٣) «سنن الترمذي» (١٧٥٥)، وصححه، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (٢٢).
(٤) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٥/ ٩١.
(٥) «البداية والنهاية» ٨/ ٤١٢.
[ ٢٦ ]
أحواله، وكان ربما طال حتى يصير ذؤابة ويتخذ منه عقائص وضفائر، كما أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أم هانئ قالت قدم رسول الله -ﷺ- مكة وله أربع غدائر، وفي لفظ أربع ضفائر .. فحاصل الخبر أن شعره طال حتى صار ذوائب فضفره أربع عقائص، وهذا محمول على الحال التي يبعد عهده بتعهده شعره فيها وهي حالة الشغل بالسفر ونحوه والله أعلم» (^١).
* الوجه الرابع: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن إطالة شعر الرأس وتوفيره هل هو من السنة أو لا؟ فأجاب: «لا. ليس من السنة؛ لأن النبي -ﷺ- اتخذه حيث إن الناس في ذلك الوقت يتخذونه، ولهذا لما رأى صبيًا قد حَلَقَ بعض رأسه قال: «احلقه كله أو اتركه كله» (^٢)، ولو كان الشعر مما ينبغي اتخاذه لقال: أبقه. وعلى هذا فنقول: اتخاذ الشعر ليس من السنة، لكن إن كان الناس يعتادون ذلك فافعل، وإلاَّ فافعل ما يعتاده الناس .. فالصواب: أنه تَبَعٌ لعادة الناس، إن كنت في مكان يعتاد الناس فيه اتخاذ الشعر فاتخذه وإلا فلا» (^٣).
* * *
٤ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُسْدِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يُسْدِلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ».
_________________
(١) «فتح الباري» ١٠/ ٣٦٠.
(٢) «سنن أبي داود» (٤١٩٥)، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
(٣) «لقاء الباب المفتوح» ص ٢٢.
[ ٢٧ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
ابن عباس: هو الصحابي الجليل عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم النبي -ﷺ-، وأحد العلماء الفقهاء المكثرين من رواية الحديث، ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي بالطائف بعد أن كف بصره، سنة: ٦٨ هـ، وفضائله ومناقبه كثيرة.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بنحوه.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(يسدل شعره)، سَدْلُ الشعر معناه: إرساله على الجبين ومن ورائه، وتركه على هيئته مسترسلًا.
(يفرقون رؤوسهم)، فرق الرأس معناه: فرق الشعر وقسمته من وسط الرأس، وكشفه عن الجبين بأن يجعله فرقتين، كل فرقة ذؤابة.
* الوجه الرابع: معنى الحديث أن النبي -ﷺ- عندما قدم المدينة مهاجرًا كان في بداية أمره يسدل شعره، ويتركه مرسلًا على حاله، لأن اليهود كانوا يفعلون ذلك، وكان النبي -ﷺ- يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه بشيء، من باب التأليف لهم، لأنهم كانوا أهل كتاب وأقرب إلى الإيمان من عبدة الأوثان، فلمَّا استمروا في عنادهم ولم يفد معهم الاستئلاف والموافقة استحب النبي -ﷺ- مخالفتهم، فخالفهم في أشياء كثيرة، منها مسألة سدل
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٩١٨)، «صحيح مسلم» (٢٣٣٦).
[ ٢٨ ]
الشعر، وصبغه، والصلاة في النعال، وإعفاء اللحى، واستقبال القبلة، حتى قال أهل الكتاب: والله ما يدع محمد شيئًا نعمله إلا خالفنا فيه!!
وقال بعض العلماء: إن النبي -ﷺ- كان يحب موافقة أهل الكتاب في بداية الأمر، لأنهم كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحبّ إليه من موافقة عباد الأوثان، فلما أسلم غالب عباد الأوثان بعد فتح مكة، أحبّ مخالفة باقي الكفار من أهل الكتاب.
* الوجه الخامس: ذكر العلماء بأن كلًا من سدل الشعر وفرقه جائز، بدليل أن الصحابة رضوان الله عليهم استمروا على فعل الأمرين، فمنهم من كان يسدل شعره، ومنهم من كان يفرقه، ولم يعب بعضهم على بعض (^١).
وقال جماعة من العلماء: الفرق أفضل لأنه آخر ما كان عليه رسول الله -ﷺ-، وهو لا يكون إلا مع كثرة الشعر (^٢).
والذي يظهر أن الأمرين سيان، وإنما فرق النبي -ﷺ- من أجل مخالفة أهل الكتاب. واليوم لم يعد أهل الكتاب يختصون بالسدل حتى تستحب مخالفتهم، فلم يعد فرق الشعر مطلوبًا ولا مستحبًا، كما كان عليه الأمر في زمنه -ﷺ-، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) «المفهم» للقرطبي ٦/ ١٢٥.
(٢) «التمهيد» لابن عبد البر ٦/ ٧٤.
[ ٢٩ ]