أي بيان الأحاديث الواردة في تعطر رسول الله -ﷺ-. والتعطر هو: استعمال العطر وهو الطيب، وقد كان رسول الله -ﷺ- يحب الطيب، بالرغم من طيب رائحة بدنه -ﷺ-، ولو لم يمس طيبًا، كما جاء في حديث أنس -﵁- قال: «ما شممت عنبرًا قط، ولا مسكًا، ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله -ﷺ-» (^١).
٤٥ - عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^٢)، وقال الحافظ ابن الملقن: «إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيح»، ثم نقل عن الإمام ابن المنذر أنه جوَّد إسناده (^٣)، وقال الحافظ المناوي: سنده حسن (^٤).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٣٠).
(٢) «سنن أبي داود» (٤١٦٢).
(٣) «البدر المنير» ١/ ٥٠١.
(٤) «كشف المناهج والتناقيح» (٣٥٦٤).
[ ١٥٧ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(السكة): بضم السين وتشديد الكاف، يحتمل أن تكون نوعًا من الطيب، ويحتمل أن تكون ظرفًا أو وعاء يوضع فيه الطيب.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب وضع الطيب، وأنه لا ينافي الزهد.
* الوجه الخامس: كانت رائحة بدن النبي -ﷺ- طيّبة، ولو لم يمس طيبًا، كما تقدم قبل قليل، وكان مع ذلك يحب الطيب، وكان يقول: «حُبّبَ إليّ من الدنيا: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» (^١).
* الوجه السادس: من محبته -ﷺ- للطيب؛ أنه كان لا يردّه إذا قُدّم إليه، فقد ثبت من حديث أنس بن مالك -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان لا يردّ الطيب» (^٢).
وثبت عنه -ﷺ- أنه قال: «من عرض عليه طيّبُ فلا يرده، فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» (^٣).
وثبت عنه -ﷺ- أنه قال: «ثلاث لا تردّ: الوسائد والدهن واللبن» (^٤).
_________________
(١) «سنن النسائي» (٣٩٣٩) من حديث أنس بن مالك، وصحح إسناده ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٥٠١.
(٢) «صحيح البخاري» (٥٩٢٩).
(٣) «سنن أبي داود» (٤١٥٢) من حديث أبي هريرة، وصححه أبو عوانة في «المستخرج» (٩٩٢٠)، وابن حبان (٥١٠٩)، وقال أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٨٢٤٧): إسناده صحيح.
(٤) «سنن الترمذي» (٢٧٩٠)، و» الشمائل» (٢٠٩) من حديث ابن عمر، وحسن إسناده ابن حجر في «الفتح» ٥/ ٢٠٩.
[ ١٥٨ ]
والمراد بالدهن: الطيب كما بَيّنَ الترمذي بعد إخراج الحديث.
قال العلماء: إذا أكرم أحدٌ ضيفًا بشيء من هذه الثلاث فلا ينبغي له ردّها، لخفتها وقلة المنّة فيها. وألحقوا بها كل ما لا منّة عرفًا في قبوله.
* الوجه السابع: قال ابن القيم ﵀: «وفي الطيب من الخاصية، أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما يناسبها، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه، أو بعموم معناه» (^١).
* الوجه الثامن: ذكر بعض العلماء: أن وضع الطيب يتأكد للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الأحرام، وحضور المحافل، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر. ويتأكد للرجل والمرأة عند المباشرة، فإنه من حسن المعاشرة (^٢).
_________________
(١) «زاد المعاد» ٤/ ٢٥٧.
(٢) «جمع الوسائل» للقاري ٢/ ٥.
[ ١٥٩ ]