أي بيان الأحاديث الواردة في صفة كلامه -ﷺ-. وقد ذكر العلماء: بأن النبي -ﷺ- كان أفصح الخلق لسانًا وأعذبهم بيانًا وأحلاهم منطقًا، صلوات الله وسلامه عليه.
٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْرُدُ سرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في السنن، وقال: حسن صحيح (^١). وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^٢) بلفظ: «لم يكن يسرد الحديث كسردكم»، دون بقية الحديث. وفي رواية عندهما: «كان يحدث حديثًا لو عدَّه العاد لأحصاه» (^٣).
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣٦٣٩).
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٦٨)، «صحيح مسلم» (٢٤٩٣).
(٣) «صحيح البخاري» (٣٥٦٧)، «صحيح مسلم» (٢٤٩٣).
[ ١٦١ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(يسرد سردكم هذا): أي يتابع الحديث استعجالًا بعضه تلو بعض، فيلتبس على السامع.
(بكلام فصل): أي مفصول عن غيره بحيث يفهمه السامع جيدًا.
* الوجه الرابع: جاء في الصحيحين بيان سبب ورود هذا الحديث، وهو أن أبا هريرة -﵁- كان قد جلس مرة إلى جنب حجرة عائشة، يحدث عن النبي -ﷺ-، ثم قام وانصرف، وعائشة تسمعه وهي تصلي، فلما فرغت من صلاتها أنكرت سرعة أبي هريرة في التحديث، وقالت لم يكن النبي -ﷺ- يسرد كسردكم هذا (^١).
* الوجه الخامس: دل الحديث على كيفية كلام رسول الله -ﷺ-، وأنه كان يتكلم بأناة ومهل، وبكلام واضح مفصَّل مبيَّنٍ، يفهمه ويحفظه كل سامع. بخلاف بعض الناس فإنه يكثر الحديث، ويسرع فيه حتى تختفي مع السرعة بعض الحروف، وربما اختفت بعض الكلمات أيضًا!!
* الوجه السادس: اعتذر بعض العلماء عن إسراع أبي هريرة -﵁- بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من التمهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي عليّ.
* الوجه السابع: دل الحديث على استحباب المهل والأناة في الكلام، وعدم الاستعجال فيه، خاصة في مجالس التحديث بالعلم وتلاوة القرآن،
_________________
(١) رواية البخاري لم تسم أبا هريرة، وسمته رواية مسلم.
[ ١٦٢ ]
تأسيًا بالنبي -ﷺ-، وحتى يفهم السامع جيدًا ولا يلتبس عليه القول.
* الوجه الثامن: ومن أساليب النبي -ﷺ- في الكلام، ما رواه أنس بن مالك -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تُفهم عنه» (^١)، وفي رواية الترمذي: «لتُعقل عنه» (^٢).
وأوضح العلماء بأن هذا لم يكن هديه -ﷺ- في كل كلامه، وإنما كان يفعله أحيانًا إذا عرض للسامعين نحو لغط فاختلط عليهم، فيعيده لهم ليفهموه، أو إذا كثر المخاطبون فيلتفت مرة يمينًا، وأخرى شمالًا، وأخرى أمامًا، ليسمع الكل (^٣).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٩٥).
(٢) «الشمائل» للترمذي (٢٢٥).
(٣) «فيض القدير» ٥/ ٢٣٤.
[ ١٦٣ ]