أي بيان الأحاديث والأخبار الواردة في ضحك رسول الله -ﷺ- وصفته. وقد ذكر أهل العلم بأن الضحك من خصائص الإنسان، والغالب أنه ينشأ عن سرور يعرض للقلب، وقد يضحك غيرُ المسرور.
٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ -﵁- قَالَ: «مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا تَبَسُّمًا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبدالله بن الحارث هو: ابن جَزْء الزُّبيدي، أحد الصحابة الكرام وعلمائهم، شهد فتح مصر وسكنها، وتوفي بها سنة: ٨٦ هـ. (^١)
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في السنن (^٢) وقال: حديث صحيح، وصححه الألباني وعبد القادر الأرناؤوط.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(التبسم): التبسم من مبادي الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» ٣/ ١٨٧.
(٢) «سنن الترمذي» (٣٦٤٢).
[ ١٦٥ ]
تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، نقله المباركفوري عن أهل اللغة (^١).
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن ضحك النبي -ﷺ- ما كان يجاوز في غالبه التبسم من غير صوت، وهذا من كمال وقاره وحشمته -ﷺ-.
ونظير هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة -﵂- قالت: «ما رأيت رسول الله -ﷺ- مستجمعًا ضاحكًا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم» (^٢).
* الوجه الخامس: لكنه -ﷺ- أحيانًا ربما ضحك بصوت خفيف منخفض دون قهقهة حتى تظهر نواجذه، كما ثبت ذلك في غير ما حديث، منها حديث أبي هريرة -﵁- قال: أتى رجلٌ النبي -ﷺ- فقال: هلكت، وقعت على أهلي في رمضان، قال: «أعتق رقبة»، قال: ليس لي، قال: «فصم شهرين متتابعين»، قال: لا أستطيع، قال: «فأطعم ستين مسكينًا»، قال: لا أجد، فأتي بعَرَق (زنبيل) فيه تمر، فقال: «أين السائل، تصدق بها»، قال: على أفقر مني، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منّا، فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت نواجذه (أنيابه)، قال: «فأنتم إذا» (^٣).
وهذا الحديث وأمثاله يدل على أن الضحك ليس بمكروه في بعض
_________________
(١) «تحفة الأحوذي» ١٠/ ٨٧.
(٢) «صحيح البخاري» (٦٠٩٢)، «صحيح مسلم» (٨٩٩).
(٣) «صحيح البخاري» (٦٠٨٧).
[ ١٦٦ ]
المواطن، وليس بمسقط للمروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد.
قال الحافظ ابن حجر: «الذي يظهر من مجموع الأحاديث؛ أنه -ﷺ- كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الافراط فيه، لأنه يذهب الوقار» (^١).
* الوجه السادس: روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة -﵁- قال: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (^٢).
قلت: لا ريب أن كثرة الضحك - حتى يغلب على صاحبه - مذموم منهي عنه، وهو يميت القلب كما أخبر المصطفى -ﷺ-، ومعنى موته: أنه يصير مغمورًا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه.
كما أن كثرة الضحك ربما أورثت الضغينة في بعض الأحوال، كما أنها تسقط المهابة والوقار، نسأل الله السلامة.
_________________
(١) «فتح الباري» ١٠/ ٥٠٦.
(٢) «الأدب المفرد» (٢٥٣)، وحسنه الألباني وعبد القادر الأرناؤوط.
[ ١٦٧ ]