أي بيان الأحاديث الواردة في صفة مزاحه -ﷺ-. والمزاح بضم الميم وكسرها هو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وقد كان رسول الله -ﷺ- يمزح أحيانًا مع أصحابه من باب التأليف لهم وحسن العشرة.
وقد ذكر العلماء بأن المزاح وإن كان مطلوبًا وهو من حسن العشرة لكن لا ينبغي المداومة عليه والإكثار منه، لأنه قد يفضي إلى الإيذاء ويسبب العداوة ويسقط المهابة، ولذلك كان يفعله النبي -ﷺ- عن ندرة وفي أوقات متفرقة (^١).
٤٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: «يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»، «يَعْنِي يُمَازِحُهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
_________________
(١) حاشية الباجوري على «الشمائل» ص ٣٨٩.
[ ١٦٩ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢) وصححه، وحسنه ابن القطان (^٣)، وشعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني.
* الوجه الثالث: هذا القول قاله النبي -ﷺ- لأنس، من باب المزاح والانبساط والمداعبة، وإلا فإن كل إنسان صاحب أذنين. وقيل أراد -ﷺ- حض أنس وتنبيهه على اليقظة، وحسن الاستماع لما يقال له، لأن السمع إنما يكون بحاسة الأذن.
والمعنى الأول أظهر، وهو الذي فهمه الإمام الترمذي حيث أورد الحديث في باب مزاحه -ﷺ-، وكذا هو فهم راوي الحديث (أبو أسامة)، عندما قال: (يعني يمازحه).
* الوجه الرابع: في الحديث مداعبة النبي -ﷺ- لأصحابه وخدمه ومزاحه معهم، وهذا من تواضعه وحسن أخلاقه ولطفه. وكان مزاحه -ﷺ- مزاحًا خفيفًا لطيفًا، ليس فيه كذب ولا تزيد، ولذلك صح أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله إنك لتداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقًا» (^٤).
* الوجه الخامس: دل الحديث أيضًا على جواز دعاء الإنسان بغير اسمه، لا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة لديه.
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٥٠٠٢).
(٢) «سنن الترمذي» (٣٨٢٨).
(٣) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٨٢٢.
(٤) «سنن الترمذي» (١٩٩١) وحسنه، وقال عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على «جامع الأصول» ١١/ ٥٤: إسناده حسن.
[ ١٧٠ ]
٤٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١)، ولفظه عند مسلم: كان رسول الله -ﷺ- أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه، قال: كان فطيمًا (مفطومًا)، قال: فكان إذا جاء رسول الله -ﷺ- فرآه، قال: «أبا عمير ما فعل النُّغير» قال: فكان يلعب به.
* الوجه الثالث: في غريبه:
(النغير): تصغير النغر، هو طائر صغير يعيش في الغابات والمزارع، جمعه نغران.
* الوجه الرابع: دل الحديث على جواز المزاح مع الأطفال والصغار وملاطفتهم بما ليس فيه إثم، وهو من حسن الخلق وكرم الشمائل وحسن التربية.
* الوجه الخامس: حديث أنس هذا اشتمل على كثير من الفوائد والأحكام، ومن جملتها فيما ذكره العلماء: جواز تكنية من لم يولد له،
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٦١٢٩)، «صحيح مسلم» (٢١٥٠).
[ ١٧١ ]
وتكنية الطفل وأنه ليس كذبًا، وجواز المزاح فيما ليس أثمًا، وجواز لعب الصبي بالعصفور، وتمكين الولي إياه من ذلك، وجواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي -ﷺ- عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل .. إلى آخره (^١).
* * *
٥٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَلَ (^٢) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ -ﷺ-: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَا النُّوقُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^٣)، والترمذي (^٤) وصححه، وصحح إسناده الألباني وشعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط.
* الوجه الثالث: توهم هذا الرجل أن الولد لا يطلق إلا على الصغير،
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٢٩.
(٢) استحمل: أي سأله أن يجعله على دابة.
(٣) «سنن أبي داود» (٤٩٩٨).
(٤) «سنن الترمذي» (١٩٩١).
[ ١٧٢ ]
وهو غير قابل للركوب، لذلك قال: وما أصنع بولد ناقة؟!. فبين النبي -ﷺ- أنه لو تدبر لعلم أن الصغير والكبير كلهم أولاد ناقة، فلا وجه لاعتراضه إذن!!
* الوجه الرابع: في الحديث مباسطة النبي -ﷺ- للناس وملاطفته لهم، وهكذا ينبغي لأهل العلم والدعاة أن يكونوا سهلين محببين للناس قريبين منهم، فإن هذا أدعى لقبول كلامهم والتأثر به، وألا يعيشوا في أبراج عاجية ليصدروا منها الأوامر والتوجيهات.
كما أن في الحديث إرشادًا إلى أنه ينبغي لمن سمع قولًا أن يتأمله، ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره.
[ ١٧٣ ]