أي بيان الأحاديث الواردة في صفة كلامه -ﷺ- في الشعر. ومعلوم أن النبي -ﷺ- لم يكن شاعرًا، ولا يحسن قول الشعر، بل إن الله ﵎ حرمه عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، لكن النبي -ﷺ- كان يستشهد بشعر غيره أحيانًا، ويعجبه سماع الشعر، وقد افترى الكفار عليه واتهموه بأنه شاعر، فردّ القرآن الكريم دعواهم هذه، وبيّن لهم أن الله لم يعلمه الشعر، ولا ينبغي لمقامه أن يكون شاعرًا، لأن الله شرفه بمقام أعلى وأسمى، وهو مقام النبوة والرسالة.
٥١ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قِيلَ لَهَا: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَمَثَّلُ (^١) بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ: «وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
_________________
(١) يتمثل: يستشهد.
[ ١٧٥ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي (^١) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني بشواهده.
* الوجه الثالث: ابن رواحة هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي، أحد فضلاء الصحابة وشعرائهم المحسنين، استشهد في غزوة مؤتة، وكان ثالث ثلاثة أمرائها، سنة: ثمان من الهجرة.
* الوجه الرابع: قوله «ويأتيك بالأخبار من لم تزود»، هذا جزء من بيت لطرفة بن العبد في معلقته الشهيرة، وتمام البيت:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … ويأتيك بالأخبار من لم تزود
أي يأتيك بالأخبار التي تريدها من لم تكلّفه بها ولم تعطه عليها زادًا، فلا ينبغي الاستعجال عليها.
وكان النبي -ﷺ- يتمثل بهذا البيت عندما يستبطئ عليه الخبر، كما دلت عليه رواية أحمد في المسند ولفظها: «كان رسول الله -ﷺ- إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود» (^٢).
* الوجه الخامس: دل الحديث على جواز قول الشعر وإنشاده والاستشهاد به، وكان النبي -ﷺ- يستمع إلى الشعر أحيانًا، ويستنشده ويعجبه الحسن منه.
ولا ريب أن للشعر الحسن تأثيرًا حسنًا على الناس، وهو يحمل في
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٢٨٤٨).
(٢) «مسند أحمد» (٢٤٠٢٣)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث حسن لغيره.
[ ١٧٦ ]
طياته كثيرًا من التوجيهات الطيبة، والقيم النبيلة والحكم النافعة، ومن ثم أطلق عليه العرب بأنه (ديوان العرب)، لأنه مشتمل على خلاصة تجاربهم ومعارفهم وقيمهم.
وقد روى عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي، قال: ردفت رسول الله -ﷺ- يومًا، فقال: «هل معك من شعر أُمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم، قال: «هيه»، فأنشدته بيتًا، فقال: «هيه»، فأنشدته بيتًا، فقال: «هيه»، حتى أنشدته مائة بيت (^١).
وكان شعر أمية بن أبي الصلت مشتملًا على كثير من الحكم، والدعوة إلى توحيد الله ﷿، ونبذ الشرك والأصنام، لكنه أدرك الإسلام ولم يسلم!!
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» (^٢). وورد عند ابن عساكر بإسناد ضعيف عن النبي -ﷺ- أنه قال «آمن شعره وكفر قلبه».
* الوجه السادس: من اهتمام النبي -ﷺ- بأمر الشعر ومعرفة تأثيره؛ أنه كان يأمر بالمنبر فينصب في المسجد لحسان بن ثابت -﵁- ليقوم عليه ينافح عن رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح عن رسول الله -ﷺ-» (^٣).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٢٥٥).
(٢) «صحيح البخاري» (٣٨٤١)، «صحيح مسلم» (٢٢٥٦).
(٣) «سنن أبي داود» (٥٠١٥)، «سنن الترمذي» (٢٨٤٦)، وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم في «المستدرك» (٦٠٥٨)، والألباني في «مختصر الشمائل» (٢١٣).
[ ١٧٧ ]
* الوجه السابع: قال العلماء: الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وقد جاء في هذا المعنى حديث مرفوع إلى النبي -ﷺ- أنه قال: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (^١). وثبت عنه -ﷺ- أنه قال: «إن من الشعر حكمة» (^٢).
وأما حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا» (^٣)، فهذا محمول على الشعر الباطل، أو يكون المراد به أن يستولي عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى والعبادة وهذا مذموم.
_________________
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٦٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الألباني: صحيح لغيره.
(٢) «صحيح البخاري» (٦١٤٥).
(٣) «صحيح البخاري» (٦١٥٤)، «صحيح مسلم» (٢٢٥٧).
[ ١٧٨ ]