ظاهر عنوان الترجمة العموم في كل العبادات، لكن الأحاديث التي أوردها الترمذي في الباب خاصة بقيام الليل، فكأنه قال: باب ما جاء في عبادة رسول الله -ﷺ- في قيام الليل.
٥٣ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
مغيرة بن شعبة هو: ابن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أحد الصحابة الكرام، وأحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، أسلم في العام الخامس من الهجرة، وتوفي بالكوفة سنة: ٥٠ هـ، وكان واليًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان.
* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (^١).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٤٨٣٦)، «صحيح مسلم» (٢٨١٩).
[ ١٨٣ ]
* الوجه الثالث: كانت قدما رسول الله -ﷺ- تنتفخان وتتورمان بسبب طول قيامه وتهجده في قيام الليل، فقد ثبت أنه كان يقرأ أحيانًا سورة البقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة، كما في حديث حذيفة بن اليمان -﵁- في صحيح مسلم (^١).
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن شكر الله تعالى قد يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فأمرهم الله أن يعملوا له شكرًا، وهذا على خلاف ما يتوهم العامة أن الشكر يكون باللسان فقط!!
* الوجه الخامس: دل الحديث على ما كان عليه نبينا -ﷺ- من الاجتهاد في الطاعة، وطول التهجد والقيام، وتحمل المشاق البدنية في سبيل ذلك، ولهذا الحديث نظائر كثيرة، كقول أبي هريرة -﵁-: «كان رسول الله -ﷺ- يصلي حتى ترم قدماه» (^٢).
وقول ابن مسعود -﵁-: «صليت مع رسول الله -ﷺ- فأطال، حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (^٣).
* الوجه السادس: أخذ بعض العلماء من هذا الحديث؛ أن للإنسان أخذ نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضرّ ذلك ببدنه، لكن قال الحافظ ابن
_________________
(١) صحيح مسلم (٧٧٢).
(٢) رواه الترمذي في «الشمائل» (٢٦٣)، وصححه ابن خزيمة (١١٨٤)، وقال الألباني في «مختصر الشمائل «: إسناده حسن صحيح.
(٣) «صحيح البخاري» (١١٣٥)، «صحيح مسلم» (٧٧٣).
[ ١٨٤ ]
حجر: «محل ذلك ما إذا لم يفض إلى الملال، لأن حال النبي -ﷺ- كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضرّ ذلك ببدنه. بل صح أنه قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة، فأما غيره -ﷺ- فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله -ﷺ- «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» (^١).
* الوجه السابع: يؤخذ من هذا الحديث وبقية أحاديث الباب أن قيام الليل سنة مسنونة، ينبغي للمسلم المحافظة عليها تأسيًا بالنبي -ﷺ-، وقد ورد في سنن الترمذي من حديث بلال -﵁- مرفوعًا: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم» (^٢).
٥٤ - عَنِ الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ المَاءِ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
_________________
(١) «فتح الباري» ٣/ ١٥ باختصار يسير.
(٢) «سنن الترمذي» (٣٥٤٩)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٤٠٧٩).
[ ١٨٥ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح بنحوه (^١).
* الوجه الثالث: قولها: «كان ينام أول الليل»، مقصودها أي من بعد صلاة العشاء، لأن النبي -ﷺ- كان يكره النوم قبل صلاة العشاء (^٢).
* الوجه الرابع: قولها: «ثم يقوم»، أي عند تمام منتصف الليل، كما ذكر جماعة الشرّاح، يدل عليه حديث عائشة -﵂- أنها سئلت: في أي حين كان يقوم رسول الله -ﷺ-؟ فقالت: «كان يقوم إذا سمع الصارخ» (^٣). والمراد بالصارخ: الديك، قال في الفتح: «وقد جرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا» (^٤).
وفي حديث ابن عباس قال: «نام رسول الله -ﷺ- حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ -ﷺ-، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده» (^٥).
وروى عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (^٦).
قال العلامة الصنعاني: «وذلك من أنفع النوم، لأنه يهب من نومه وقد
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٧٣٩).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٤٧)، «صحيح مسلم» (٦٤٧) من حديث أبي برزة الأسلمي.
(٣) «صحيح البخاري» (٦٤٦١)، «صحيح مسلم» (٧٤١).
(٤) «فتح الباري» ٣/ ١٧.
(٥) «صحيح البخاري» (١٨٣)، «صحيح مسلم» (٧٦٣).
(٦) «صحيح البخاري» (١١٣١)، «صحيح مسلم» (١١٥٩).
[ ١٨٦ ]
أخذت الأعضاء حقها من الراحة والسكون، فيقوم نشطًا إلى الطاعة، ويقوم للعبادة في أفضل أوقات الليل» (^١).
* الوجه الخامس: قولها: «ثم أتى فراشه» أي يرجع للنوم، وهذا يدل على أن النبي -ﷺ- لم يكن يواصل قيام الليل حتى أذان الفجر، وإنما يرجع فينام في السدس الأخير من الليل، وهذا أنفع للإنسان حتى يتقوى به على صلاة الفجر، وما بعدها من الوظائف والطاعات، ويدفع عنه تعب السهر.
* الوجه السادس: قولها: «فإذا سمع الأذان وثب» أي قام بسرعة وخفة، وهذا يدل على الاهتمام بالعبادة والقيام إليها بنشاط.
* * *
٥٥ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِيَزِيدَ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي».
_________________
(١) «التنوير شرح الجامع الصغير» ٨/ ٦٣٥.
[ ١٨٧ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١).
* الوجه الثالث: هذا الحديث يفيد عدم زيادة النبي -ﷺ- في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة، لكن عارضه حديث ابن عباس وغيره أن النبي -ﷺ- كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. ولفظ حديث ابن عباس: «كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» (^٢).
وجمع العلماء بين الأحاديث بأن النبي -ﷺ- كان يصلي أحيانًا ثلاث عشرة ركعة وأحيانًا إحدى عشرة، أو أن عائشة -﵂- لم تحسب الركعتين الخفيفتين اللتين كان النبي -ﷺ- يفتتح بها صلاة الليل، وقيل غير ذلك.
* الوجه الرابع: قولها: «كان يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا»، هذا محمول على بعض الأوقات، لأن النبي -ﷺ- ثبت عنه أنه كان يصلي الليل والوتر على أنواع وكيفيات كثيرة، فأحيانًا كان يصلي كما ورد في حديث عائشة هذا، وأحيانًا كان يفصل فيصلي ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة أو بثلاث أو
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٥٦٩)، «صحيح مسلم» (٧٣٨).
(٢) «صحيح البخاري» (١١٣٨)، «صحيح مسلم» (٧٦٤).
[ ١٨٨ ]
بخمس .. إلى غير ذلك من الصور والأنواع، والكل جائز والحمد الله (^١).
* الوجه الخامس: قوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»، معناه: أن قلبه -ﷺ- مستيقظ على الدوام يحس بما حوله، وهذا ليس خاصًا بالنبي -ﷺ-، بل هو عام في الأنبياء كلهم ﵈، ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك -﵁-: «الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» (^٢). وإنما امتنع النوم على قلبهم حتى يعوا الوحي الذي يأتيهم حال النوم.
_________________
(١) «سبل السلام» ١/ ٣٤٩.
(٢) «صحيح البخاري» (٣٥٧٠).
[ ١٨٩ ]