أي بيان الأحاديث الواردة في صلاة الضحى وما يتعلق بها من أحكام، وسيأتي بيان أن صلاة الضحى مستحبة ومندوبة، وقد وردت النصوص بالترغيب فيها.
٥٦ - عن مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: «نَعَمْ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ ﷿».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
ومعاذة هي: بنت عبد الله العدوية، من التابعيات، وثقها الأئمة كابن معين وغيره، وكانت من العابدات (^١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^٢) ولفظه عنده: عن معاذة أنها سألت عائشة -﵂- كم كان رسول الله -ﷺ- يصلي صلاة الضحى؟ قالت: «أربع ركعات ويزيد ما شاء».
_________________
(١) «تهذيب الكمال» للمزي ٣٥/ ٣٠٨.
(٢) «صحيح مسلم» (٧١٩).
[ ١٩١ ]
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية صلاة الضحى وأنها من جملة صلوات التطوع المندوبة الثابتة في السنة النبوية.
وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، كقوله -ﷺ-: «يصبح على كل سلامى (^١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (^٢).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- قال: أوصاني خليلي -ﷺ- بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (^٣).
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن عدد ركعات صلاة الضحى أربع ركعات فما فوق، لكن جاءت أحاديث أخرى تدل على أنها يمكن أن تصلَّى ركعتين أو أربعًا أو ستًا أو ثماني وهو أكثرها.
ففي حديثي أبي ذر وأبي هريرة المتقدمين ما يدل على صلاتها ركعتين.
وفي شمائل الترمذي من حديث أنس بن مالك -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان يصلّي الضحى ست ركعات» (^٤).
وفي صحيح مسلم من حديث أم هانئ بنت أبي طالب قالت: «قام رسول
_________________
(١) السُّلامى: جميع عظام البدن ومفاصله.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٢٠) من حديث أبي ذر.
(٣) «صحيح البخاري» (١٩٨١)، «صحيح مسلم» (٧٢١).
(٤) «الشمائل» (٢٩٠)، وقال الألباني في «مختصر الشمائل» ص ١٥٦: صحيح لغيره.
[ ١٩٢ ]
الله -ﷺ- إلى غسله، فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلَّى ثماني ركعات سبحة الضحى» (^١)، وكان ذلك عام الفتح.
فهذا يدل على أن لصلاة الضحى أعدادًا مختلفة، فأقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وأوسطها أربع ركعات أو ست.
* الوجه الخامس: ذكر العلماء بأن وقت صلاة الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس ويستمر إلى قبيل الزوال أي قبل أذان الظهر بعشر دقائق.
وأفضل أوقاتها حين تبدأ حرارة الشمس بالاشتداد، لقوله -ﷺ-: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (^٢)، أي حين تبدأ أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل بالاحتراق من شدة حرّ الرمل، فهذا أفضل أوقاتها.
* الوجه السادس: اختلفت الروايات عن السيدة عائشة في صلاة الضحى، ففي حديث الباب إثباتها صلاة النبي -ﷺ- لها، وأنه كان يصلّيها أربعًا ويزيد ما شاء.
وفي صحيح البخاري عن عائشة -﵂- قالت: «ما سبح رسول الله -ﷺ- سبحة الضحى قط وإني لأسبحها» (^٣).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: هل كان النبي -ﷺ- يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبه (أي من سفره)» (^٤).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٣٣٦).
(٢) «صحيح مسلم» (٧٤٨) من حديث زيد بن أرقم.
(٣) «صحيح البخاري» (١١٢٨).
(٤) «صحيح مسلم» (٧١٧).
[ ١٩٣ ]
فهذه ثلاث روايات صحيحة متعارضة عن السيدة عائشة في صلاة النبي -ﷺ- للضحى. فالرواية الأولى تثبتها مطلقًا، والرواية الثانية تنفيها مطلقًا، والرواية الثالثة تقيدها بالقدوم من سفر.
وأجيب عن هذا بأن رواية الإثبات المطلق مبنية على ما علمته عائشة من غيرها، أي ما روته لا ما رأته. ورواية النفي المطلق محمولة على حسب رؤيتها، أي أنها لم تر النبي -ﷺ- يصليها بعينها. وراية التقييد بالغيبة محمولة على حسب ما بلغها. وقد أثبت غيرها من الصحابة صلاته -ﷺ- لها، وحثه عليها وترغيبه فيها، ومن علم حجةٌ على من لم يعلم، فهذا أحسن ما يمكن قوله في الجمع بين الروايات (^١).
* الوجه السابع: اختلف العلماء هل الأفضل المداومة على صلاة الضحى أو لا على قولين؟ فقيل: لا يداوم عليها، لقول عائشة -﵂- المتقدم: ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه.
لكن سبق الجواب عن هذا الحديث، وقلنا: إن عائشة -﵂- قالته بحسب ما بلغها، بينما أثبت غيرها من كبار الصحابة الترغيب في صلاتها مطلقًا والوصية بها، كحديثي أبي ذر وأبي هريرة المتقدمين، لذلك كان الأرجح استحباب المداومة والمواظبة عليها: لمن تيسر له ذلك، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) «نيل الأوطار» ٣/ ٨٠.
[ ١٩٤ ]