أي بيان الأحاديث الواردة في استحباب أداء صلاة التطوع في البيت. وصلاة التطوع هي ما شرعه الله من الصلوات زيادة على الفرائض، ومنها السنن الرواتب والنوافل المطلقة، وهي من أعظم أسباب رضا الله ومحبته، كما ورد في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به .. الحديث» (^١).
وفي السنن من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب ﷿: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (^٢).
٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِي وَالصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ؟ قَالَ: «قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِي
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) «رواه الترمذي» (٤١٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (١٤٢٥)، وصححه الشيخان الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهما.
[ ١٩٥ ]
مِنَ المَسْجِدِ، فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي المَسْجِدِ، إِلَا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبد الله بن سعد هو: ابن خيثمة بن مالك الأنصاري الأوسي، صاحب رسول الله -ﷺ-، بايع بيعة الرضوان، وذكر بعضهم أنه استشهد في معركة اليمامة.
* الوجه الثاني: في تخرجه: الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه (^١)، وصححه ابن خزيمة (^٢)، والألباني، وشعيب الأرناؤوط.
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، حتى لو كان المسجد قريبًا من البيت. أما الصلاة المكتوبة وهي الصلوات الخمس المفروضة فإن أداءها للرجال في المسجد أفضل، كما هو مذهب أكثر العلماء، وبعض العلماء أوجبها في المسجد.
* الوجه الرابع: ورد في معنى حديث الباب أحاديث كثيرة صحيحة، تؤكد فضل أداء صلاة النوافل والسنن في البيت، منها حديث زيد بن ثابت عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (^٣).
ومنها حديث ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: «اجعلوا من صلاتكم في
_________________
(١) «سنن ابن ماجه» (١٣٧٨)،
(٢) «صحيح ابن خزيمة» (١٢٠٢).
(٣) «صحيح البخاري» (٧٣١)، «صحيح مسلم» (٧٨١).
[ ١٩٦ ]
بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (^١). أي لا تجعلوا بيوتكم كالقبور مهجورة من الصلاة، لأنها ليست محلًا للعبادة.
ومنها حديث جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا» (^٢).
وقال النووي ﵀: «وإنما حثَّ على النافلة في البيت لكونها أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة والملائكة وينفر منه الشيطان» (^٣).
* الوجه الخامس: استثنى العلماء من النوافل والسنن في البيت: الصلوات التي يشرع فيها الاجتماع كصلاة الكسوف والخسوف، والصلوات التي تختص بالمسجد كركعتي تحية المسجد والتطوع قبل صلاة الجمعة، فهذه الصلوات إنما تصلى في المسجد لثبوت السنة بذلك، وما عدا ذلك من النوافل، والسنن الرواتب، وقيام الليل والضحى، كل ذلك يصلى في البيت، هذا هو الأفضل.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٤٣٢)، «صحيح مسلم» (٧٧٧).
(٢) «صحيح مسلم» (٧٧٨).
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي ٦/ ٦٨.
[ ١٩٧ ]