أي بيان الأحاديث الواردة في صفة صيامه -ﷺ-، والصيام وإن كان يشمل الفريضة والنافلة إلا أن مقصود الترمذي هنا صيام النافلة، حسبما أورد من الأحاديث.
والصوم يعد من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله ﷿، وقد ثبت في الحديث القدسي؛ أن الله ﵎ قال: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، هو لي وأنا أجزي به» (^١).
وذكر العلماء أوجهًا عديدة في سبب اختصاص الصيام بهذه الفضيلة دون سائر الطاعات، منها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره من الطاعات، قال الإمام القرطبي: «لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه» (^٢). وقال ابن الجوزي: «جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم» (^٣).
* * *
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٩٢٧)، «صحيح مسلم» (١١٥١)، من حديث أبي هريرة.
(٢) «فتح الباري» ٤/ ١٠٧.
(٣) المصدر السابق ٤/ ١٠٧.
[ ١٩٩ ]
٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: «كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ». قَالَتْ: «وَمَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا رَمَضَانَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح (^١) بنحوه. وله شواهد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك وحديث عبد الله بن عباس بمعناه (^٢).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي -ﷺ- لم يكن يرتبط في الصيام بأيام معينة بصورة دائمة وراتبة، وإنما كان يكثر الصوم ويواليه، حتى يُظن أنه لن يفطر شيئًا من الشهر، ثم يكثر الفطر ويواليه، حتى يُظن أنه لن يصوم شيئًا من الشهر، وكان يصوم تارة من أول الشهر، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، وفي هذا دليل على أن نافلة الصوم غير مختصة بوقت معين، بل كل السنة محل لها إلا الأيام المنهي عنها.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١١٥٦).
(٢) ينظر «جامع الأصول» ٦/ ٣٠٢.
[ ٢٠٠ ]
لكن قد يقال: إن النبي -ﷺ- رغّب في صيام الاثنين والخميس كما سيأتي بعد قليل؟
والجواب أن يقال: نعم، ولكن صومه -ﷺ- كان على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب فيها، وربما لم يوافقها.
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن النبي -ﷺ- كان يكثر من الصيام وكان يكثر من الإفطار أيضًا، فلم يكن -ﷺ- يفطر دومًا ولا كان يصوم دومًا، بل قد صح عنه النهي عن صيام الدهر، وقال: «لا صام ولا أفطر، أو ما صام وما أفطر» (^١).
* الوجه الخامس: دل الحديث على عدم استحباب التطوع بصيام شهر بأكمله، لأنه لم يكن من هديه -ﷺ- كما أخبرت عائشة في الحديث.
كما يستحب ألا يخلي شهرًا من صيام بعض أيامه، فقد جاء في إحدى روايات حديث عائشة المتقدم قولها: «ما علمته -ﷺ- صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه» (^٢).
* * *
٥٩ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ لِلَّهِ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ».
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١١٦٢) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
(٢) «صحيح مسلم» (١١٥٦).
[ ٢٠١ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه (^١) ولفظه عنده: «لم أره صائمًا من شهر قط، أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا».
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن صوم النبي -ﷺ- تطوعًا في شعبان كان أكثر من صيامه فيما سواه من الشهور.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب صوم معظم شهر شعبان، لمن تيسر له ذلك.
وقولها في الرواية: «كان يصومه كله»، قال بعض الشراح: معناه معظمه وأكثره، بدليل قولها «كان يصومه إلا قليلًا»، فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى.
ويؤيد هذا الجمع حديث عائشة السابق في بداية الباب وفيه قولها: «وما صام رسول الله -ﷺ- شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا رمضان». وجمع بعضهم بين الروايتين بأنه -ﷺ- كان يصوم شعبان كله في وقت، ويصوم معظمه في سنة أخرى (^٢).
* الوجه الخامس: اختلف في الحكمة من إكثار النبي -ﷺ- الصوم في شهر
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١١٥٦).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٣٧، «فتح الباري» ٤/ ٢١٤.
[ ٢٠٢ ]
شعبان؟ وأقوى ما قيل: إنه شهر ترفع فيه أعمال العباد، ففي حديث أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم» (^١).
* * *
٦٠ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثنَيْنِ وَالخَمِيسِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي وحسنه (^٢)، وابن ماجه (^٣)، والنسائي (^٤)، وصححه ابن حبان (^٥)، وابن حجر (^٦) وغيرهم.
_________________
(١) «سنن النسائي» (٢٣٥٧)، وحسنه الألباني وعبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على «جامع الأصول» (٤٤٥٨).
(٢) «سنن الترمذي» (٧٤٥).
(٣) «سنن ابن ماجه» (١٧٣٩).
(٤) «سنن النسائي» (٢٣٦٠).
(٥) «صحيح ابن حبان» (٣٦٤٣).
(٦) «فتح الباري» ٤/ ٢٣٦.
[ ٢٠٣ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(يتحرَّى): يتعمد ويتقصد ويتوخى، وقيل: التحري: المبالغة في طلب الشيء.
* الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب تحري صوم الاثنين والخميس، وهو قول جمهور العلماء خلافًا لمن كره ذلك.
* الوجه الخامس: الحكمة التي من أجلها كان النبي -ﷺ- يتحرى صوم يومي الاثنين والخميس؛ أنهما يومان تعرض فيهما أعمال العباد على الله تعالى، فقد ثبت من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (^١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي -ﷺ- سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه» (^٢).
ولا منافاة بين الحديثين، ويمكن أن يعلل الحكم بأكثر من علة.
وما تقدم في شرح الحديث السابق من أن الأعمال ترفع في شهر شعبان فذاك هو الرفع السنوي، وأما رفع الأعمال يوم الاثنين والخميس فذاك الرفع الأسبوعي.
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي في «السنن» (٧٤٧) وحسنه، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» ٥/ ٧٥٥، والألباني في «مختصر الشمائل» (٢٥٩) بشواهده.
(٢) «صحيح مسلم» (١١٦٢).
[ ٢٠٤ ]
٦١ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: «كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةُ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(عاشوراء): هو اليوم العاشر من محرم في قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، وقيل اليوم التاسع وهو ضعيف (^٢).
* الوجه الرابع: دل الحديث على فضل يوم عاشوراء، وأنه من الأيام التي يسن ويستحب صيامها لمن تيسر له ذلك، وهذا باتفاق العلماء.
* الوجه الخامس: دلت الأحاديث الصحيحة على أن يوم عاشوراء كان يصومه أهل الجاهلية من كفار قريش واليهود وغيرهم، وجاء الإسلام بفرض صيامه، ثم نسخ الفرض بعد أن فرض رمضان وأصبح صوم عاشوراء سنة فقط،
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٢٠٠٢)، «صحيح مسلم» (١١٢٥).
(٢) «نيل الأوطار» ٤/ ٢٨٧.
[ ٢٠٥ ]
وهذا هو مقصود قول عائشة -﵂- «فلما افترض رمضان ترك عاشوراء». وقال بعض أهل العلم إن صوم عاشوراء كان سنة من بداية الأمر ولم يكن فرضًا.
* الوجه السادس: ذكر العلماء بأنه يستحب صوم اليوم التاسع مع العاشر من محرم، لأن النبي -ﷺ- كان قد صام العاشر، ونوى صوم التاسع معه في العام المقبل، كما في حديث ابن عباس قال: حين صام رسول الله -ﷺ- يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله -ﷺ-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله -ﷺ- (^١).
وقوله: (صمنا اليوم التاسع)، أي إضافة إلى العاشر، حتى يخالف أهل الكتاب، ومعلوم أن النبي -ﷺ- كان يستحب مخالفة أهل الكتاب في آخر حياته.
* الوجه السابع: صحت السنة بأن صيام يوم عاشوراء يكفر السنة الفائتة، ففي الصحيح من حديث أبي قتادة أن النبي -ﷺ- قال: «صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (^٢). قال العلماء: والمراد بها الصغائر من الذنوب دون الكبائر، فإن لم توجد صغائر فإنه يرجى التخفيف من الكبائر (^٣).
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١١٣٤).
(٢) «صحيح مسلم» (١١٦٢).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٥١.
[ ٢٠٦ ]