ذكر الترمذي ﵀ تحت هذا الباب الأحاديث المتعلقة بترجيل النبي -ﷺ- شعره، وبيان بعض آداب الترجيل، وسيأتي بيان معناه بعد قليل إن شاء الله.
٥ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: «كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأسَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأنا حائض».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة هي: أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق -﵄-، زوج النبي -ﷺ-، وأحب نسائه إليه، ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس، وكانت من فقهاء الصحابة ومن المكثرات من رواية الحديث، توفيت في المدينة ودفنت في البقيع، سنة: ٥٨ هـ، وعندما توفي النبي -ﷺ- كان عمرها ثمان عشرة سنة.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بنحوه.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٢٠٢٨، ٥٩٢٥)، «صحيح مسلم» (٢٩٧).
[ ٣١ ]
* الوجه الثالث: شرح ألفاظه:
(ترجيل الشعر): تسريحه وتنظيفه وتحسينه كما في النهاية لابن الأثير.
* الوجه الرابع: أورد المصنف هذا الحديث مختصرًا، وقد أخرجه الشيخان بلفظ أطول عن عائشة -﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يصغي إليّ رأسه وهو مجاورٌ في المسجد، فأرجّله وأنا حائض»، هذا لفظ البخاري.
وفي رواية عند أبي داود: «كان رسول الله -ﷺ- يكون معتكفًا في المسجد، فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه وأنا حائض» (^١).
* الوجه الخامس: في الحديث دلالة على عناية النبي -ﷺ- بتسريح شعره ونظافته، وقد وردت أحاديث أخرى في الباب لا تخلو من ضعف، منها حديث عائشة -﵂- قالت: «كان لا يفارق مسجد رسول الله -ﷺ- سواكه ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته» (^٢).
* الوجه السادس: دلّ الحديث على استحباب العناية بنظافة الشعر وتسريحه وتحسينه، اقتداء وتأسيًا بالنبي -ﷺ-، حيث إنه لم يكن يترك ذلك في زمن الاعتكاف مع قصره، واشتغاله بالعبادة ففي غيره من باب أولى.
وقد وردت أحاديث قولية أخرى في الحث على العناية بالشعر، منها حديث أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «من كان له شعر، فليكرمه» (^٣).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٢٤٦٩)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٣٦٧)، وضعف إسناده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ١٥٧، وابن حجر في «الفتح» ١٠/ ٣٦٧.
(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤١٦٣) بإسناد حسنه ابن حجر في «الفتح» ١٠/ ٣٦٨.
[ ٣٢ ]
ومنها حديث عطاء بن يسار، أخبره قال: كان رسول الله -ﷺ- في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله -ﷺ- بيده أن اخرج - كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته - ففعل الرجل، ثم رجع فقال رسول الله -ﷺ-: «أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان» (^١).
* الوجه السابع: يلحق بالعناية بتسريح شعر الرأس العناية بتسريح شعر اللحية بالنسبة للرجال، فقد ورد في «شمائل الترمذي» عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله -ﷺ- يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته» (^٢)، وهو وإن كان ضعيف الإسناد لكن القياس الصحيح يقوم مقامه.
* الوجه الثامن: عناية المسلم بنظافة شعره وتسريحه، لا تعني استغراقه في ذلك، حتى يصبح ديدنه وشغله الشاغل، بل الواجب أن يكون حال المسلم وسطًا بين الإفراط والتفريط، ويشهد لذلك ما أخرجه المصنف في الشمائل والسنن، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن الترجّل إلا غبًا» (^٣). أي لا يبالغ في العناية بتسريح شعره فهذا أليق بالنساء.
* الوجه التاسع: السنة في تسريح الشعر أن يبدأ بشقه الأيمن أولًا، كما دل عليه حديث عائشة -﵂- في الصحيحين: قالت: كان النبي -ﷺ- «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» ٢/ ٩٤٩ بإسناد مرسل صحيح السند كما قال ابن حجر في «الفتح» ١٠/ ٣٦٧.
(٢) «الشمائل» (٣٣)، وضعف إسناده العراقي في «طرح التثريب» ٤/ ١٧٥.
(٣) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.
(٤) «صحيح البخاري» (١٦٨) واللفظ له، و» صحيح مسلم» (٢٦٨).
[ ٣٣ ]
٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ -﵁-، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبد الله بن مُغفل هو: ابن عبد غنم المزني، أبو سعيد، وأبو زياد، صحابي جليل، شهد بيعة الشجرة، وكان أحد الذين بعثهم عمر بن الخطاب ليفقهوا الناس بالبصرة، مات بالبصرة سنة: ٥٩ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والنسائي (^٢)، والترمذي (^٣) وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (^٤)، وصححه: الألباني وشعيب الأرناؤوط بشواهده.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(غبًا): حينًا بعد حين.
* الوجه الرابع: دل الحديث على كراهة اشتغال المسلم بترجيل شعره والمبالغة في العناية به، حتى يصبح شغله الشاغل، وإنما الواجب التوسط في
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤١٥٩).
(٢) «سنن النسائي» (٥٠٥٥).
(٣) «سنن الترمذي» (١٧٥٦).
(٤) «صحيح ابن حبان» (٥٤٨٤).
[ ٣٤ ]
الأمر، بحيث لا يهمله بالكلية ولا يشتغل به دومًا، وإنما يكون وسطًا بين هذا وهذا.
وقد تقدم معنا في شرح الحديث السابق ذكرُ بعض الأحاديث الدالة على استحباب العناية بنظافة الشعر، وتسريحه وتحسينه، دون إفراط ولا تفريط.
[ ٣٥ ]