أي بيان الأحاديث الواردة في صفة قراءة رسول الله -ﷺ- للقرآن؛ من الترتيل والمد والوقف والإسرار بالقراءة والجهر وغير ذلك.
٦٢ - عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: «مَدًّا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵂- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (^١) ولفظه: «كَانَ يَمُدُّ مَدًّا».
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(مدًا): أي يمد الحروف التي تستحق المد، ويمكّن لها بالقدر المعروف عند علماء القراءة، وقال بعضهم: المراد أنه يجود ويرتل ويشدد ويمكن ويتم الحركات (^٢).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٠٤٥).
(٢) «جمع الوسائل» ٢/ ١١١.
[ ٢٠٧ ]
* الوجه الرابع: في الحديث استحباب مد الصوت بالقراءة، والحكمة فيه هو الاستعانة على تدبر معاني القرآن، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر.
* * *
٦٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂-، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أم سلمة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٩.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي واستغربه (^١)، وأبو داود (^٢)، وصححه الدارقطني (^٣)، والحاكم (^٤)، والبيهقي (^٥)، والألباني بجموع طرقه.
* الوجه الثالث: دل الحديث على استحباب الوقوف على رؤوس الآي، حتى وإن تعلقت بما بعدها، اتباعًا لهدي النبي -ﷺ- وسنته، وهذا هو المشهور عند جمهور العلماء والقراء.
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٢٩٢٧).
(٢) «سنن أبي داود» (٤٠٠١).
(٣) «سنن الدارقطني» (١١٩١).
(٤) «مستدرك الحاكم» (٢٩١٠).
(٥) «الخلافيات» ٢/ ٢٧٤.
[ ٢٠٨ ]
* الوجه الرابع: قولها في الحديث: و«كَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)»، (ملك) بغير ألف، كما في بعض نسخ الشمائل، وفي بعضها (مالك)، بإثبات الألف، قال الإمام ابن كثير: «قرأ بعض القراء: ﴿ملك يوم الدين﴾، وقرأ آخرون: ﴿مالك﴾، وكلاهما صحيح متواتر في السبع» (^١).
* * *
٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، قَدْ كَانَ رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ». فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (^٢)، والترمذي (^٣) وحسنه، ولفظ الترمذي: «كيف كانت قراءته بالليل». بزيادة لفظة الليل. وقد صححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
والحديث له شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة -﵁- قال:
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» ١/ ١٣٣.
(٢) «سنن أبي داود» (١٤٣٧).
(٣) «سنن الترمذي» (٤٤٩).
[ ٢٠٩ ]
«كانت قراءة النبي -ﷺ- بالليل يرفع طورًا ويخفض طورًا» (^١).
* الوجه الثالث: الحديث فيه دليل على جواز الجهر والإسرار في صلاة الليل، لثبوت الأمرين عن رسول الله -ﷺ-.
واختلفوا أي الأمرين أفضل، فقال النووي: «الإخفاء أفضل، حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط» (^٢).
ويحتمل أن يقال: يفعل هذا تارة وهذا تارة تأسيًا به -ﷺ-.
وأما النوافل النهارية فيستحب فيها الإسرار بالقراءة عند جميع العلماء، قال النووي ﵀: «نوافل النهار يسنّ فيها الإسرار بلا خلاف» (^٣).
* الوجه الرابع: الجهر بالقراءة المقصود به الجهر اليسير الذي يسمع فيه المرء من بجواره، وليس برفع الصوت عاليًا فيؤذي الناس، ويشهد لذلك ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر فقال: «ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»، أو قال: «في الصلاة» (^٤).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (١٣٢٨)، وحسن إسناده النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩١.
(٢) نقله عنه السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن» ١/ ٣٧٤.
(٣) «المجموع شرح المهذب» ٣/ ٣٩١.
(٤) «سنن أبي داود» (١٣٣٢)، وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩٢: إسناده صحيح.
[ ٢١٠ ]
وفي سنن أبي داود عن أبي قتادة -﵁-: أن النبي -ﷺ- خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي -ﷺ- قال النبي -ﷺ-: «يا أبا بكر، مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك»، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، قال: وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك»، قال: فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، فقال النبي -ﷺ-: «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا» (^١).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (١٣٢٩)، و» صححه ابن خزيمة» (١١٦١)، وقال النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩١: إسناده صحيح.
[ ٢١١ ]