أي بيان الأحاديث الواردة في بكاء رسول الله -ﷺ- وصفته. قال ابن حجر المكي: «بكاؤه -ﷺ- كان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عينه حتى تهملان، ويُسمع لصدره أزيز» (^١).
وقد كان -ﷺ- يبكي تارة رحمة على الميت، وتارة خوفًا على أمته، وتارة يبكي من خشية الله، أو اشتياقًا ومحبة له ﷿ عند استماع القرآن وقراءته.
٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ -﵁- قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبد الله بن الشخير هو عبد الله بن الشِخِّير بن عوف العامري الحَرشي، قال ابن عبدالبر: له صحبة ورواية. وهو والد الفقيه الشهير مطرّف بن عبد الله بن الشخير، أسلم عام الفتح، وسكن البصرة.
_________________
(١) «أشرف الوسائل» ١/ ٤٥٣.
[ ٢١٣ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١)، وصححه ابن خزيمة (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤)، وقال ابن حجر: إسناده قوي (^٥). ولفظ أبي داود «كأزيز الرحى».
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(أزيز كأزيز المرجل): أي يسمع له صوت كصوت غليان القِدر بسبب البكاء، والمرجل: القِدر.
وفي رواية أبي داود: «كأزيز الرحى» أي كصوت الطاحون إذا دارت وتحركت.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على كمال خوف النبي -ﷺ- وخشيته من ربه ﷿، وقد كان ﵊ أشد الناس خوفًا من الله ﵎، كما جاء في حديث الصحيحين: «والله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» (^٦).
وسبب هذه الخشية هو كمال علمه -ﷺ- بالله تعالى، وعظمته وشدة عقابه، وما أُعْلِمَ به من أحوال يوم القيامة، ولذلك جاء في الصحيحين: «يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (^٧).
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٩٠٤).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» (٩٠٠).
(٣) «صحيح ابن حبان» (٦٦٥).
(٤) «مستدرك الحاكم» (٩٧١).
(٥) «فتح الباري» ٢/ ٢٠٦.
(٦) «صحيح البخاري» (٦١٠١)، «صحيح مسلم» (٢٣٥٦).
(٧) «صحيح البخاري» (١٠٤٤)، «صحيح مسلم» (٩٠١).
[ ٢١٤ ]
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المصلي ينبغي له أن يخشع في صلاته، وأن يكون قلبه فيها بين الخوف من عدل الله والرجاء في فضله.
* الوجه السادس: دل الحديث على أن البكاء لا يبطل الصلاة مطلقًا، سواء ظهر منه حرفان أم لا. وقيل: إن كان البكاء من خشية الله لا يبطل، وإن كان لأمر دنيوي أبطل، وقوّى الحافظ ابن حجر القول الأول، لأنه ليس من جنس الكلام (^١).
واستدل على جواز البكاء في الصلاة بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
* الوجه السابع: ذكر بعض العلماء: أن الضحك في الصلاة يبطلها مطلقًا، لما فيه من هتك حرمة الصلاة، قال الإمام ابن المنذر: «أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها» (^٢).
* * *
٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَهْمِلَانِ.
_________________
(١) «فتح الباري» ٢/ ٢٠٦.
(٢) «المغني» لابن قدامة ٢/ ٤٠، «فتح الباري» ٢/ ٢٠٦.
[ ٢١٥ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عبد الله بن مسعود هو: ابن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، أحد كبار الصحابة وعلمائهم وقرائهم وحفاظهم، ومن السابقين للإسلام، توفي بالمدينة في خلافة عثمان بن عفان، سنة: ٣٢ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (^١)، وفي رواية البخاري: «فإذا عيناه تذرفان»، وفي رواية مسلم: «فرأيت دموعه تسيل».
* الوجه الثالث: دل الحديث على فوائد منها: استحباب طلب المرء القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، لأنه مشغول بضبط القراءة وتصحيحها.
ومنها: استحباب الخشوع والبكاء عند سماع القرآن وتدبره.
ومنها: استحباب تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم.
* الوجه الرابع: ذكر بعض الشرّاح: أن النبي -ﷺ- إنما بكى عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء.
وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته; لأنه علم أنه
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٠٥٠)، «صحيح مسلم» (٨٠٠).
[ ٢١٦ ]
لا بد أن يشهد بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم (^١).
* * *
٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي»، أَوْ قَالَ: «عَيْنَاهُ تَهْرَاقَانِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
تقدم التعريف بعائشة -﵂- في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: عثمان بن مظعون -﵁- هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون بن حبيب القرشي الجُمَحِي، أبو السائب، أخو النبي -ﷺ- من الرضاعة، ومن أوائل من أسلم، توفي في السنة الثانية من الهجرة، ولما توفي أعلم النبي -ﷺ- على قبره بحجر، وكان يزوره -﵁-.
* الوجه الثالث: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^٢)، وابن ماجه (^٣)، والترمذي (^٤) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم في المستدرك وقال: «هذا حديث متداول
_________________
(١) «فتح الباري» ٩/ ٩٩.
(٢) «سنن أبي داود» (٣١٦٣).
(٣) «سنن ابن ماجه» (١٤٥٦).
(٤) «سنن الترمذي» (٩٨٩).
[ ٢١٧ ]
بين الأئمة» (^١)، وصححه الألباني بشواهده.
* الوجه الرابع: دل الحديث على جواز البكاء على الميت، لكن دون جزع أو ندب أو نياحة، وأن هذا لا يتنافى مع الصبر والتسليم بقضاء الله وقدره.
وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه بكى أيضًا عندما توفي ابنه إبراهيم (^٢)، كذلك عندما توفيت ابنته أم كلثوم (^٣) -﵄-.
وهذا يدل على أن النبي -ﷺ- إنما هو بشر يفرح ويحزن ويتألم، لكنه كان يتقيد بحدود الشرع ولا يتعداها.
* الوجه الخامس: دل الحديث على جواز تقبيل الميت، وقد ثبت في الصحيح أن أبا بكر قَبَّل النبي -ﷺ- بعد موته، ثم بكى، وقال: «بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبتْ عليك فقد متها» (^٤).
_________________
(١) «مستدرك الحاكم» (١٣٣٤، ٤٨٦٨).
(٢) «صحيح البخاري» (١٣٠٣)، «صحيح مسلم» (٢٣١٥).
(٣) «صحيح البخاري» (١٢٨٥)، لكن لم يصرح باسمها في رواية البخاري، ووقع التصريح باسمها عند غيره كما في «الفتح» ٣/ ١٥٨.
(٤) «صحيح البخاري» (١٢٤١).
[ ٢١٨ ]