أي بيان الأحاديث والأخبار الواردة في تواضعه -ﷺ-. والتواضع ضد التكبر، وهو هضم النفس والتنازل عن بعض ما تستحق من التقدير، وهو من سمات المؤمنين، ومن أسباب محبة الله للعبد ومن أسباب محبة الناس له أيضًا، وفي الحديث مرفوعًا: «من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة» (^١).
٦٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عمر بن الخطاب هو: ابن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص، الصحابي الجليل، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وتوفي شهيدًا بالمدينة سنة: ٢٣ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (^٢).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤١٧٦)، وضعف إسناده البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ١/ ٢٦٤، لكن له شواهد تقويه، ينظر «الصحيحة» للألباني (٢٣٢٨).
(٢) «صحيح البخاري» (٣٤٤٥).
[ ٢٢١ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(لا تطروني): الإطراء: المدح بالباطل، تقول: أطريت فلانًا: مدحته فأفرطت في مدحه، أفاده الحافظ ابن حجر (^١). وقيل: الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه (^٢).
وكلا التعريفين صحيح.
* الوجه الرابع: دل الحديث على تحريم المبالغة في مدح النبي -ﷺ-، والغلو في ذلك ومجاوزة الحد المسموح، كما وقع للنصارى عندما غلوا في مدح سيدنا عيسى بن مريم ﵊، فقالوا: هو إله أو ابن إله!! تعالى الله عن ذلك.
* الوجه الخامس: في الحديث حرص النبي -ﷺ- على صيانة التوحيد، والخوف على أمته من الوقوع في الشرك، الذي وقعت فيه الأمم السابقة، فإن النصارى إنما كفروا بالله عندما غلوا في نبيهم عيسى بن مريم بوصفه بالألوهية والبنوة لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧].
* الوجه السادس: دل الحديث على عظيم تواضعه -ﷺ- عندما اكتفى بقوله: «فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله»، ففيه هضمه لنفسه وإظهاره التواضع، مع أنه سيد الخلق وإمامهم، وهذا هو موضع الشاهد من الحديث الدال على تواضعه -ﷺ-، وليس قوله «لا تطروني»، لأن الإطراء محرم شرعًا
_________________
(١) «فتح الباري» ٦/ ٤٩٠.
(٢) «عمدة القاري» ١٦/ ٣٧.
[ ٢٢٢ ]
وهو من الغلو في الدين، والنهي عنه ليس من التواضع، وبهذا يندفع استشكال بعض العلماء إيراد الترمذي هذا الحديث تحت هذا الباب.
* * *
٧٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ المَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح (^١) بنحوه، ولفظه عنده: «أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان انظري أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها».
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على عظيم تواضعه -ﷺ- حيث استمع لهذه المرأة مع ما في عقلها من الضعف، وترك لها اختيار المكان الذي تريد أن تلقاه فيه، ولم يرسل معها أحدًا من أصحابه بل ذهب بنفسه معها وقضى لها حاجتها.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٢٦).
[ ٢٢٣ ]
* الوجه الرابع: في سيرة النبي -ﷺ- شواهد كثيرة جدًا على ما كان عليه من التواضع الجم مع الناس جميعًا، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، ولين جانبه وعريكته، مما كان له أبلغ الأثر في نجاح دعوته ومحبة الناس له.
ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك -﵁-، أن غلامًا ليهود كان يخدم النبي -ﷺ-، فمرض فأتاه النبي -ﷺ- يعوده، فقال: «أسلم» فأسلم (^١).
وفي الشمائل من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة (^٢) فيجيب. ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات» (^٣).
وفي الشمائل من حديث أنس بن مالك -﵁- أيضًا قال: حج رسول الله -ﷺ- على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجًا لا رياء فيه ولا سمعة» (^٤). والأحاديث والأخبار في الباب كثيرة.
* * *
٧١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-» قَالَ: «وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ».
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٦٥٧).
(٢) (الإهالة السنخة): دهن متغير الرائحة من طول المكث.
(٣) «الشمائل» للترمذي (٣٣٤)، وهو في «صحيح البخاري» (٢٠٦٩) بنحوه.
(٤) «الشمائل» للترمذي (٣٣٥)، وصححه الضياء في «المختارة» (١٧٠٥)، والألباني بشواهده في «مختصر الشمائل» (٢٨٨).
[ ٢٢٤ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في السنن (^١) وقال: حسن صحيح، وصحح إسناده ابن عبد الهادي (^٢)، والألباني، وغيرهما.
* الوجه الثالث: دل الحديث على كمال تواضع النبي -ﷺ- وحسن خلقه، حيث إنه كان يكره قيام أصحابه له، إذا ما أقبل كما جرت به العادة العرفية بين الناس، وكان الصحابة ينزلون عند رغبته، فلا يقومون له رغم شدة محبتهم له وتعظيمهم لشأنه.
* الوجه الرابع: (حكم القيام إكرامًا للقادم)، استدل بعض العلماء بهذا الحديث على منع القيام للقادم إكرامًا له.
وأيدوا المنع بما ثبت في الحديث أن النبي -ﷺ- قال: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» (^٣).
وبحديث أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضًا» (^٤).
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٢٧٥٤).
(٢) «الصارم المنكي» ص ٧٨.
(٣) رواه أبو داود في «سننه» (٥٢٢٩)، وأحمد في «المسند» (١٦٨٣٠)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(٤) رواه أبو داود في «سننه» (٥٢٣٠)، وضعفه الشيخان الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهما.
[ ٢٢٥ ]
والصحيح: أن القيام للقادم إكرامًا له ومن أجل السلام عليه جائز شرعًا، وهو من محاسن الأخلاق، لا سيما إذا كان القادم من أهل العلم والفضل أو الصلاح أو السن.
والأدلة على ذلك كثيرة متضافرة، منها: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري؛ لما قدم سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة، فقال -ﷺ- للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (^١).
ومنها: حديث كعب بن مالك، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه، وفيه: «حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة» (^٢).
ومن الأحاديث الدالة على الجواز أيضًا: ما روته عائشة أم المؤمنين، قالت: «ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًا وهديًا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-»، قالت: «وكانت إذا دخلت على النبي -ﷺ- قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي -ﷺ- إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته، وأجلسته في مجلسها» (^٣).
فهذه الأحاديث صريحة في جواز القيام للقادم إكرامًا له.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٠٤٣)، «صحيح مسلم» (١٧٦٨).
(٢) «صحيح البخاري» (٤٤١٨)، «صحيح مسلم» (٢٧٦٩).
(٣) رواه أبو داود في «سننه» (٥٢١٧)، و» الترمذي» (٣٨٧٢)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
[ ٢٢٦ ]
وأما الأحاديث التي استدل بها المانعون من القيام فالجواب عنها كالتالي:
أما حديث أنس الأول: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله -ﷺ-، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك». فيجاب عنه: بأن هذا كان حقًا له -ﷺ- وقد تركه، وتنازل عنه تواضعًا منه وشفقة على أصحابه.
وأما حديث: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار»، فأجيب عنه بعدة أجوبة، منها: أن المقصود به أن يأمرهم بذلك ويلزمهم به تكبرًا (^١)، كما يفعل بعض المدرسين عندما يأمر طلبته بالقيام له إذا حضر! فهذا أقل ما يقال فيه الكراهة الشديدة، كما رجح الشيخ ابن باز ﵀ (^٢).
ومنها: أن المنهي عنه محبة المرء قيام الناس له، فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه، فإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا، فلا يصح الاحتجاج به لترك قيام الرجل لأخيه إذا سلم عليه.
ومنها: أن النهي يقصد به أن يقوم الرجال على رأسه أو عن جانبيه طول جلوسه، تكبرًا وإذلالًا للناس، كما يفعل بعض الملوك والأمراء.
وأما استدلالهم بحديث: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضًا»، فقد تقدم أنه ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته فالجواب عنه كالحديث السابق: أن النهي يقصد به أن يقوم الناس على رأسه، وهو قاعد
_________________
(١) «معالم السنن» ٤/ ١٥٥.
(٢) «مجموع فتاوى» ابن باز ٢٤/ ٥٤.
[ ٢٢٧ ]
تكبرًا عليهم وإذلالًا لهم والله تعالى أعلم.
وهذا الذي رجحناه من جواز القيام للقادم إكرامًا له، هو مذهب جمهور العلماء، وهو اختيار الإمام النووي وغيره من أهل العلم المحققين (^١)، والله تعالى أعلم.
* * *
٧٢ - عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ بَشَرًا مِنَ البَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه ولفظه عنده: «كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج» (^٢)، لكن السائل عنده هو الأسود بن يزيد، وليس عمرة بنت عبد الرحمن (^٣).
وقد أخرج الحديث أحمد في المسند، من طريق هشام بن عروة، عن
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٢/ ٩٣.
(٢) «صحيح البخاري» (٥٣٦٣).
(٣) وعد الألباني حديث البخاري حديثًا آخر كما في «مختصر الشمائل» ص ١٨٠.
[ ٢٢٨ ]
أبيه، عن عائشة، أنها سئلت: ما كان رسول الله -ﷺ- يعمل في بيته؟ قالت: «كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم» (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(يفلي ثوبه): أي يلتقط ما فيه من هناة ويزيلها.
* الوجه الرابع: في الحديث بيان لتواضع النبي -ﷺ-، فإنه كان يخدم نفسه، ويقوم على شؤون أموره برغم تشريف الله له بالنبوة والرسالة والوحي والعصمة والمعجزات، وفي ذلك إرشاد للناس عامة وللأئمة والعلماء خاصة أن يقوموا بخدمة أنفسهم وقضاء حوائجهم بأنفسهم، وأن ذلك من فعل الصالحين.
* الوجه الخامس: نقل الإمام المناوي عن بعض أهل العلم: أن خدمة النبي -ﷺ- لنفسه يجب حملها على بعض الأحيان، لأنه ثبت أنه -ﷺ- كان له خدم، فتارة كان يخدم نفسه بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة (^٢)
_________________
(١) «مسند أحمد» (٢٤٩٠٣)، وصححه شعيب الأرناؤوط.
(٢) «فيض القدير» ٥/ ٢٣٦.
[ ٢٢٩ ]