أي بيان الأحاديث الواردة في صفة خُلُقه -ﷺ-، والخُلُق بضم الخاء واللام هو: الطبع والسجية والصفات الباطنة، كالحلم والشجاعة والتواضع، وقد تقدم في أول الكتابِ الحديثُ عن خَلْق رسول الله -ﷺ- بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الصفات البدنية الظاهرة.
ولِيُعْلَم أن النبي -ﷺ- كان أعظم الناس خُلُقًا، ويكفي شهادة القرآن له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وهذا الخُلُق العظيم الذي كان عليه النبي -ﷺ- هو من أكبر أسباب نجاح دعوته، وانجذاب الناس له وتأثرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
٧٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَلَا مَسَسْتُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ
اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ النَّبِيِّ -ﷺ-».
[ ٢٣١ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرج البخاري ومسلم جزأه الأول بنحوه (^١)، وأخرج مسلم جزأه الأخير مستقلًا بنحوه (^٢).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(أُفّ): كلمة تقال عند الضجر، وتستعمل في كل ما يستقذر أو يستثقل.
(خزًا): ثياب مصنوعة من حرير وغيره.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على كمال حسن خلق النبي -ﷺ-، فإن مخالطة الخدم تقتضي السؤال عادة عن أعمالهم ومهامهم، ولكن حسن خلقه -ﷺ- حمله على ألا يسأل عما وقع منهم من تقصير، خاصة وأن أنسًا قد أقر بأنه ربما وقع منه تقصير بسبب صغره أو غفلته أحيانًا، كما جاء في إحدى روايات الحديث: «ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه» (^٣).
لكن النبي -ﷺ- كان يعامل خدمه كما أرشد الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
* الوجه الخامس: دل الحديث على أن الإنسان يجب عليه أن ينزه لسانه عن الزجر والسب والتوبيخ، وأن عليه استئلاف خاطر الخادم بترك
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٦٠٣٨)، «صحيح مسلم» (٢٣٠٩).
(٢) «صحيح مسلم» (٢٣٣٠).
(٣) «سنن أبي داود» (٤٧٧٤)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
[ ٢٣٢ ]
معاتبته، وهذا في الأمور المتعلقة بأمور الخدمة وحظ الإنسان، أما الأمور الشرعية فلا يتسامح فيها.
* الوجه السادس: في قول أنس: ولا مسست خزًا ولا حريرًا .. إلى آخره، وقوله: ولا شممت مسكًا .. إلى آخره: دليل على حسن خِلقة النبي -ﷺ- ولين كفه، وطيب رائحة بدنه وعرقه، وقد تضافرت بذلك الأحاديث الصحيحة، كما في حديث جابر بن سمرة، عندما مسح النبي -ﷺ- على خده وهو صبي، قال: «فوجدت ليده بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة عطار» (^١).
* * *
٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِئءُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (^٢) وقال: حسن صحيح، وصححه: الألباني وشعيب الأرناؤوط.
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٢٩)، والجؤنة: سلة مستديرة يجعل العطار فيها متاعه من العطور.
(٢) «سنن الترمذي» (٢٠١٦).
[ ٢٣٣ ]
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(فاحشًا): الفاحش: القبيح أو البذيء في أقواله وأفعاله وصفاته.
(متفحشًا): المتفحش: الذي يتكلف الفحش ويتعمده.
(صخابًا): ضبط بالصاد وبالسين، أي صيَّاحًا، والصخب: الصياح واختلاط الأصوات.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على ما كان عليه النبي -ﷺ- من الأخلاق الكريمة، والآداب العالية، والبعد عن كل ما هو قبيح من الأقوال والأفعال أو الصفات، وما كان عليه -ﷺ- من الصفح والمسامحة والعفو، مما تواترت به الأحاديث الصحيحة، ويكفي شهادة الله ﵎ له في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وهذا العفو والصفح إنما هو في حقه -ﷺ-، وما يمس شخصه الكريم، وأما ما كان من حقوق الله ومحارمه وحقوق الآدميين فكان ﵊ وقافًا عند حدود الله، كما جاء في الحديث الصحيح: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (^١).
* * *
٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا أَوِ امْرَأَةً».
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٤٧٥)، «صحيح مسلم» (١٦٨٨).
[ ٢٣٤ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (^١) بلفظ أطول، ولفظه: «ما ضرب رسول الله -ﷺ- شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ﷿».
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن ترك الضرب في التربية أفضل، وإن كان مباحًا في الأصل بشروط.
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن الأولى للإمام التنزه عن إقامة الحدود والتعزيرات بنفسه، بل يقيم لها من يتعاطاها، وعلى ذلك عمل الخلفاء ﵏ (^٢).
* * *
٧٦ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» أَوْ «أَخُو العَشِيرَةِ»، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَأَلَانَ لَهُ القَوْلَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٣٢٨).
(٢) «طرح التثريب» ٧/ ٢٠٩.
[ ٢٣٥ ]
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بنحوه.
* الوجه الثالث: الرجل الوارد في الحديث هو عُيينة بن حصن الفزاري ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي -ﷺ- أن يبين حاله ليعرفه الناس، ولا يغتر به من لم يعرف حاله، وقد كان منه في حياة النبي -ﷺ- وبعدها ما دل على ضعف إيمانه، وارتد مع المرتدين وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر -﵁-. ووصْفُ النبي -ﷺ- له بأنه: بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف، وإنما ألان له القول تألفًا له ولأمثاله على الإسلام (^٢).
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب مداراة من يُتقى فحشه، وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج الناس إلى الحذر منه، ولم يمدحه النبي -ﷺ- ولا ذكر أنه أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام (^٣).
* الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على مشروعية جرح رواة الحديث، وبيان ما فيهم من كذب أو ضعف ونحوه، مما يوجب رد
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٦٠٣٢)، «صحيح مسلم» (٢٥٩١).
(٢) «إكمال المعلم» ٨/ ٦٢.
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٦/ ١٤٤.
[ ٢٣٦ ]
روايتهم، صيانة للشريعة وذبًا عن السُّنة، وبينوا أن هذا مستثنى من الغيبة التي حرمها الله ﷿ (^١).
* * *
٧٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^٢) بنحوه.
* الوجه الثالث: دل الحديث على فوائد منها: عظم جود النبي -ﷺ-، وهو مما تواترت به الأحاديث الصحيحة، واستحباب الإكثار من الجود والسخاء في العطاء في شهر رمضان، تأسيًا بالنبي -ﷺ-، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم، ومنها استحباب مدارسة القرآن الكريم خاصة في شهر رمضان.
_________________
(١) «فتح المغيث» للسخاوي ٤/ ٣٥٢.
(٢) «صحيح البخاري» (٦)، «صحيح مسلم» (٢٣٠٨).
[ ٢٣٧ ]
* الوجه الرابع: قيل: الحكمة في كونه -ﷺ- أجود في رمضان أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نِعَم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبيُّ -ﷺ- يُؤْثِر متابعة سُنَّة الله في عباده (^١).
وقد كان السلف رضوان الله عليهم يكثرون من تلاوة القرآن في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور، وكان بعضهم كالزهري ومالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهم يتوقفون عن رواية الحديث ونحوه من دروس العلم، ويتفرغون لتلاوة القرآن ومدارسته في هذا الشهر الكريم (^٢).
* * *
٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (^٣) واستغربه، لكن صححه ابن حبان (^٤)،
_________________
(١) «فتح الباري» ١/ ٣١.
(٢) ينظر «لطائف المعارف» لابن رجب ١/ ١٧١.
(٣) «سنن الترمذي» (٢٣٦٢).
(٤) «صحيح ابن حبان» (٦٣٥٦).
[ ٢٣٨ ]
وجود إسناده المناوي (^١)، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم.
* الوجه الثالث: دل ظاهر الحديث على أن النبي -ﷺ- كان لا يدخر شيئًا لنفسه، وذلك لكمال توكله على الله ﵎، لكن قال العلماء بأن النبي -ﷺ- كان يدخر لعياله قوت سنتهم، وذلك لضعف توكلهم بالنسبة إليه -ﷺ-، وليكون سُنَّةً للمعيلين من أمته.
ومما يدل على هذا ما ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم» (^٢).
لكن قد يقال: كيف يتفق هذا مع ما ورد في أحاديث كثيرة؛ من أن النبي -ﷺ- كانت تمر عليه الليالي والأيام ولا يجد هو ولا أهل بيته شيئًا يأكلونه؟
والجواب: أن النبي -ﷺ- كان يدخر لأهله قوت سنتهم، لكن من جوده وكرمه على الوافدين والمحتاجين كان يفرغ زادهم قبل تمام السنة. (^٣)
* * *
_________________
(١) «كشف المناهج والتناقيح» (٤٦٩٥).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٣٥٧).
(٣) «جمع الوسائل» ٢/ ١٧١.
[ ٢٣٩ ]
٧٩ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه: …
عائشة -﵂- تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(يثيب عليها): يكافئ ويجازي المهدي، فيعطيه عوضًا عنها مثلها أو أحسن منها.
* الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب قبول الهدية وكراهة ردها، لما في ذلك من جبر خواطر الناس وتطييب نفوسهم، فإن المهدي إنما يقصد غالبًا التودد والتقرب من المهدى إليه.
وقد جاءت أحاديث كثيرة في استحباب الهدايا واستحباب قبولها، كقوله -ﷺ- «تهادوا تحابوا» (^٢).
وقوله -ﷺ-: «لو أُهديَ إلي ذراع أو كراع لقبلت» (^٣).
* الوجه الخامس: يستحب للمهدَى إليه المكافأة على الهدية بمثلها أو بأعظم منها، لقوله في الحديث: «ويثيب عليها»، وحتى يقابل المعروف بأكثر
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٢٥٨٥).
(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤) من حديث أبي هريرة، وحسنه الألباني.
(٣) «صحيح البخاري» (٢٥٦٨).
[ ٢٤٠ ]
منه، وتلك شيمة الكرام، وفي الحديث الصحيح: «من أهدى لكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (^١).
* الوجه السادس: استثنى العلماء صورًا عدة تمنع من قبول الهدية، منها: أن يهدي لمسؤولٍ كي يعطيه شيئًا لا يستحقه، أو يتجاوز عن شيء ليس له أن يتجاوز عنه، فهذه رِشوة محرمة، لا يجوز إعطاؤها ولا قبولها.
كما أنه لا يجوز إعطاء المسؤول هدية على واجبه سدًا لباب الرشوة.
ومما يدل على هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله -ﷺ- رجلًا من الأسد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أُهدي لي، قال: فقام رسول الله -ﷺ- على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: «اللهم، هل بلغت؟» مرتين (^٢).
قال النووي ﵀: «أَخْذُ القاضي أو العامل (^٣) هدية محرمة، يلزمه ردها إلى مهديها، فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال» (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٥٧٠٣)، وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره.
(٢) «صحيح البخاري» (٦٩٧٩)، «صحيح مسلم» (١٨٣٢) واللفظ له.
(٣) المقصود بالعامل: القائم على الأمر، كالموظف والمسؤول.
(٤) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٢/ ١١٤.
[ ٢٤١ ]