أي بيان الأحاديث الواردة في حجامة رسول الله -ﷺ-. والحجامة بكسر الحاء هي: شرط الجلد وإخراج الدم بالمحجمة، وهي ما يحتجم به، وهي من الأدوية الطبيعية الفعالة، وكانت معروفة قديمًا عند العرب وغيرهم، وجاءت السنة النبوية بإثباتها والحث عليها.
وقد احتجم النبي -ﷺ- مرات عدة في أوقات متفرقة.
٨١ - عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتَمْ بِهِ الحِجَامَةُ»، أَوْ «إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمُ الحِجَامَةَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرج البخاري جزأه الأول، وأخرجه مسلم بتمامه بنحوه (^١).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٢١٠٢)، «صحيح مسلم» (١٥٧٧).
[ ٢٤٥ ]
* الوجه الثالث: دل الحديث على إباحة الحجامة، وأنها من أفضل وأنفع الأدوية لمن يحتاج إليها. والذي يظهر لي أن الحجامة ليست سنة مقصودة لذاتها يتعبد بها، وإنما هي نوع من العلاج والدواء لمن يحتاج إليه، ولذلك قال ﵊ كما في حديث الباب: «إن أفضل أو أمثل ما تداويتم به الحجامة».
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي» (^١).
وفي السنن من حديث أنس: «أن النبي -ﷺ- احتجم وهو محرم على ظهر القدم، من وجع كان به» (^٢).
فهذه الأحاديث صريحة في أن الحجامة نوع من العلاج، لمن كان بحاجة له، وليست سنة مقصودة لذاتها كما يروج بعض الناس!!
* الوجه الرابع: دل الحديث على حل أخذ الأجرة على الحجامة، كما هو مذهب أكثر العلماء، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: «احتجم النبي -ﷺ-، وأعطى الذي حجمه»، ولو كان حرامًا لم يعطه (^٣).
وأما حديث: «كسب الحجام خبيث» (^٤)، فحمله العلماء على التنزيه،
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٧٠٢)، «صحيح مسلم» (٢٢٠٥).
(٢) «سنن أبي داود» (١٨٣٧)، وصححه ابن خزيمة (٢٦٥٩)، وابن حبان (٣٩٥٢)، وشعيب الأرناؤوط وغيرهم.
(٣) «صحيح البخاري» (٢١٠٣).
(٤) «صحيح مسلم» (١٥٦٨)، من حديث رافع بن خديج.
[ ٢٤٦ ]
والارتفاع عن دني المكاسب، والحث على معالي الأمور (^١)، فقد كانوا في زمن النبي -ﷺ- يعدون مهنة الحجامة من المهن الوضيعة.
* الوجه الخامس: كما أن في الحديث إشارة إلى الاهتمام بتدبير البدن، وأنه أمر مشروع، وأنه غير مناف للتوكل على الله ﵎، وقد صح في الحديث مرفوعًا: «تداووا، فإن الله ﷿ لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم «(^٢).
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١٠/ ٢٣٣.
(٢) «سنن أبي داود» (٣٨٥٥)، «سنن الترمذي» (٢٠٣٨)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٦٠٦١)، والحاكم في «المستدرك» (٨٢٠٦)، والنووي في «خلاصة الأحكام» (٣٢٦٤)، وغيرهم.
[ ٢٤٧ ]