أي بيان الأحاديث الواردة في أسماء رسول الله -ﷺ-. وقد كان له -ﷺ- أسماء عدة، كما سيأتي، ولا شك أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وعلو مرتبته، وللإمام السيوطي رسالة سماها: «البهجة السنية في الأسماء النبوية»، جمع فيها نحوًا من خمسمائة اسم ووصف للنبي -ﷺ-، مع ذكر الدليل على كل اسم، يذكره من القرآن الكريم أو السنة النبوية، وهي رسالة مطبوعة.
٨٢ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ، وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
جبير بن مطعم هو: الصحابي الجليل جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد المناف القرشي، كان من سادات قريش وعلمائهم خاصة في الأنساب، توفي بالمدينة سنة: ٥٧ هـ.
[ ٢٤٩ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(محمد): هذا هو الاسم الأجل والأشهر من أسماء نبينا -ﷺ-، قيل: إن الذي سماه به جده عبد المطلب، وقيل: بل أمه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمدًا (^٢).
- وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة، وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة -ﷺ-.
- ولم يكن هذا الاسم مشهورًا في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض أفراد من العرب قرب بعثته -ﷺ- لما سمعوا من الأحبار والرهبان بأن نبيًا يبعث آخر الزمان اسمه (محمدًا)، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة (^٣)!!
(أحمد): هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا -ﷺ-. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم ﵊ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٥٣٢)، «صحيح مسلم» (٢٣٥٤).
(٢) «فتح الباري» ٧/ ١٦٣، «شرح المواهب» للزرقاني ١/ ١٩٩، وقد وهم الدكتور عبد الرزاق البدر فقال في شرحه على الشمائل ص ٣٩٩ بأن الذي سماه بهذا الاسم هو والده!! وهو وهم، لأن والد النبي -ﷺ- توفي قبل مولده كما هو معلوم.
(٣) «عيون الأثر» ١/ ٣٩.
[ ٢٥٠ ]
(الماحي): هذا من أسمائه -ﷺ-، وقد فسره النبي -ﷺ- بالذي يمحو الله به الكفر.
(الحاشر): هذا من أسمائه -ﷺ-، وقد فسره النبي -ﷺ- بالذي يحشر الناس على قدمه.
واختلف في معنى هذه العبارة، فقيل معناها: أن الخلق يحشرون يوم القيامة على إثر حشره، لأنه يحشر قبل الناس (^١)، كما جاء في الحديث: «أنا أول من ينشق عنه القبر» (^٢).
وقيل معناها: أن الخلق يحشرون يوم القيامة على أثره، فليس بينه وبين يوم القيامة نبي آخر.
(العاقب): هذا أيضًا من أسمائه -ﷺ-، وقد فسره في الحديث بالذي ليس بعده نبي، لأنه يأتي عقب الأنبياء أي آخرهم.
* الوجه الرابع: هذه الأسماء الواردة في الحديث هي بعض أسمائه الشريفة -ﷺ-، وقد صحت أسماء أخرى له في بعض النصوص، منها: المقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، كما في حديث أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ- يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (^٣).
(والمقفي): أي آخر الأنبياء المتَّبع لهم، فإذا قفّى فلا نبي بعده.
_________________
(١) «فتح الباري» ٦/ ٥٥٧.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٢٧٨).
(٣) » صحيح مسلم» (٢٣٥٥).
[ ٢٥١ ]
(ونبي التوبة): سمي بهذا الاسم؛ لأنه كان كثير الرجوع والتوبة إلى الله تعالى، أو لأنه قُبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار، بخلاف الأمم السابقة.
(ونبي الرحمة): سمي بذلك: لأنه بُعِثَ رحمة للناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(ونبي المَلحمة): هذا الاسم ورد في بعض ألفاظ روايات مسلم، لحديث أبي موسى الأشعري المتقدم.
ومعنى (نبي الملحمة): أي نبي الحرب والجهاد، فالإسلام كما أنه دين لين ورحمة، فهو دين جهاد وقوة، كلٌ بحسب الحاجة والمناسبة، وإن كان أصل علاقته من الغير: السلم والمهادنة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
* الوجه الخامس: نقل الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعض الصوفية؛ أن أسماء النبي -ﷺ- بلغت الألف (^١)!!
قلت: بعض هذه الأسماء ثابت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية كما تقدم. بيد أن كثيرًا من الأسماء التي يذكرونها إنما هي من قبيل الصفات وليست أسماء، كالمصطفى، والمجتبى، والشاهد، والمبشر، والنذير. وقد نبّه على هذا جمع من العلماء، كابن الملقن (^٢)، وابن حجر (^٣)، وغيرهما.
_________________
(١) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ٢٨١.
(٢) «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» ٢٠/ ١٠١.
(٣) «فتح الباري» ٦/ ٥٥٨.
[ ٢٥٢ ]
وبعض هذه الأسماء لم يصح فيه نص، فضلًا عن اشتمال بعضها على مخالفات شرعية، كتسمية بعضهم للنبي -ﷺ-: بـ (وحيد)، و(مغيث)، و(غوث)، و(غياث)، و(مدعو)، و(مقيل العثرات)، إلى غير ذلك من التسميات المبتدعة!!
[ ٢٥٣ ]