أي بيان ما ورد في صفة شيب رسول الله -ﷺ- من الأخبار وما يتعلق بخضابه.
٧ - عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ الله -ﷺ-؟ قَالَ: «لَم يَبْلُغْ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ شَيْبًا فِي صُدْغَيْهِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكرٍ رضي الله تعالى عنه خَضَبَ بالحِنَّاء والكَتَم «.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول في التعريف براويه:
أنس بن مالك -﵁- تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بنحوه، وليس في البخاري ذكر خضاب أبي بكر.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الشيب): تحول الشعر من لونه الأصلي إلى البياض، وهو يحصل لأسباب مختلفة، منها التقدم في السن ودوام الأحزان وغير ذلك.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٥٥٠)، «صحيح مسلم» (٢٣٤١).
[ ٣٧ ]
(خضب): الخضب: تلوين الشعر بحمرة أو غيرها.
(صُدغيه): الصُّدغ: ما بين العين والأذن.
(الحناء والكتم): ورق نباتي يصبغ به، الأول يجعل الشعر لونه أحمر، والثاني يجعله أسود مائلًا إلى الحمرة، والصبغ بهما معًا يجعله بين السواد والحمرة كما في الفتح (^١).
* الوجه الرابع: دل الحديث على أن النبي -ﷺ- لم يكن يخضب شعره، لأن شيبه كان قليلًا في جهة الصدغين لا يحتاج معه إلى خضاب.
وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث عند مسلم أن الشيب كان أيضًا في عنفقته وفي مفرق رأسه -ﷺ-، ولفظه: «إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نُبَذٌ» (^٢).
* الوجه الخامس: صحت أحاديث أخرى تدل على قلة شيب رسول الله -ﷺ-، منها حديث أنس في البخاري: «قُبض - رسول الله -ﷺ- وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» (^٣).
وحديث جابر بن سمرة، أنه سئل عن شيب النبي -ﷺ- فقال: «كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء، وإذا لم يدهن رئي منه» (^٤).
فكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الشيب لم يكن كثيرًا في شعر
_________________
(١) «فتح الباري» ١٠/ ٣٥٥.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٣٤١).
(٣) «صحيح البخاري» (٣٥٤٨).
(٤) «صحيح مسلم» (٢٣٤٤).
[ ٣٨ ]
رسول الله -ﷺ-، وإنما كان على سواده وحسنه حتى توفاه الله ﷿.
* الوجه السادس: اختلف العلماء هل خضب رسول الله -ﷺ- شعره أو لا؟ فذهب جماعة إلى نفي ذلك استنادًا إلى حديث أنس في الباب.
وذهب جماعة إلى إثبات الخضاب مستدلين بأحاديث، منها: حديث ابن عمر -﵄- أنه رأى النبي -ﷺ- يصبغ بالصفرة (^١)، وفي رواية: «أن النبي -ﷺ- كان يصفّر لحيته بالورس والزعفران» (^٢).
ومنها حديث عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة -﵂- «فأخرجت إلينا شعرًا من شعر النبي -ﷺ- مخضوبًا» (^٣).
وقد جمع الإمام النووي بين هذه الأحاديث بأن النبي -ﷺ- صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى (^٤). وهذا معناه أن عدم علم أنس -﵁- بخضاب رسول الله -ﷺ- لا يعني عدم وقوع ذلك مطلقًا، خاصة وقد أثبت غيره ذلك.
* الوجه السابع: أخرج الترمذي في الشمائل من حديث أبي جحيفة -﵁- قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت. قال: «قد شيبتني هود وأخواتُها» (^٥).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١٦٦).
(٢) «سنن أبي داود» (٤٢١٠) وإسناده قوي كما قال شعيب الأرناؤوط.
(٣) «صحيح البخاري» (٥٨٩٧).
(٤) «شرح صحيح مسلم» ١٥/ ٩٥.
(٥) «الشمائل» (٤٢)، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل».
[ ٣٩ ]
وأخرج من حديث ابن عباس، أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله! قد شِبتَ؟، فقال -ﷺ-: «شيبتني (هود) و(الواقعة) و(المرسلات) و(عم يتساءلون) و(إذا الشمس كورت)» (^١).
فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على الأسباب التي لأجلها شاب شعر النبي -ﷺ-، وهي اشتمال السور المذكورة على ذكر أهوال يوم القيامة وأحوال السعداء والأشقياء والأمر بالاستقامة وغير ذلك مما يوجب استيلاء سلطان الخوف، لا سيما خوفه -ﷺ- على أمته وعظيم شفقته عليهم ورأفته بهم.
* الوجه الثامن: ذهب جمع من العلماء إلى أن صبغ الشيب وتغيير لونه سنة، سواء للرجال أو النساء، لما ثبت من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (^٢).
وعن أبي أمامة -﵁- قال: خرج رسول الله -ﷺ- على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب» (^٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الصبغ مباح وليس بسنة، بدليل أن الصحابة كان بعضهم يصبغ كأبي بكر وعمر، وكان بعضهم لا يصبغ كعلي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وسَلَمَة بن الأكوع وأنس وغيرهم.
_________________
(١) «الشمائل» (٤١)، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل»، وقال البوصيري في «الإتحاف» (٢/ ١٧١): «رواه أبو يعلى والترمذي في الشمائل ورواته ثقات».
(٢) «صحيح البخاري» (٣٤٦٢)، «صحيح مسلم» (٢١٠٣).
(٣) رواه أحمد في «المسند» (٢٢٢٨٣)، وحسن إسناده الحافظ في «الفتح» ١٠/ ٣٥٤.
[ ٤٠ ]
وقال الحافظ ابن حجر: «الخضاب مطلقًا أولى، لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة، فالترك في حقه أولى» (^١).
_________________
(١) «فتح الباري» ١٠/ ٣٥٥.
[ ٤١ ]