أي بيان الأحاديث الواردة في أن ميراث النبي -ﷺ- الذي خلفه من المال لا يُملك، وإنما هو صدقة عامة للمسلمين.
٨٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَقَالَتْ: مَنْ يَرِثُكَ؟ فَقَالَ: أَهْلِي وَوَلَدِي، فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا نُورَثُ»، وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُولُهُ، وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (^١) وقال: حديث حسن غريب، وحسنه الألباني، وعبدالقادر الأرناؤوط.
لكن مجيء السيدة فاطمة إلى أبي بكر الصديق ومطالبتها بالميراث وامتناع أبي بكر .. إلى آخره: ثابت في أحاديث كثيرة صحيحة، منها ما أخرجه
_________________
(١) «سنن الترمذي» (١٦٠٨).
[ ٢٦٧ ]
الشيخان من حديث عروة بن الزبير أن عائشة -﵂- أخبرته: أن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-، سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله -ﷺ-؛ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله -ﷺ-، مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله -ﷺ- قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» (^١).
على أن حديث: «لا نورث ما تركنا صدقة» معدود في الأحاديث المتواترة، رواه نحو ثلاثة عشر صحابيًا، منهم الخلفاء الأربعة، وممن نص على تواتره: الحافظ ابن حجر، والسيوطي، والكتاني وغيرهم (^٢).
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن ما تركه النبي -ﷺ- من أموال لا يورث، وإنما هو صدقة عامة للمسلمين، وهو من الخصائص المستثناة من آيات المواريث، وهذا مذهب أهل السنة قاطبة (^٣).
* الوجه الرابع: وأما مطالبة السيدة فاطمة -﵂- بميراث أبيها فقال العلماء: إن ذلك كان قبل أن تعلم بحديث: «لا نورث ما تركناه صدقة»، ولمّا علمت به كفَّت وتراجعت عما طلبت، ويحتمل - وهذا أقوى عندي - أنها تأولت الحديث على أن المراد به: تملك الأصول والرقاب، دون المنافع، وأما أبو بكر ومعه عامة الصحابة فتمسكوا بعموم النص.
قال الحافظ ابن حجر: «وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: «لا نورث»، ورأت أن منافع ما
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٧١١)، «صحيح مسلم» (١٧٥٩) واللفظ لمسلم.
(٢) ينظر «نظم المتناثر في الحديث المتواتر» ص ٢١٦.
(٣) «الخصائص الكبرى» للسيوطي ٢/ ٤٣٦.
[ ٢٦٨ ]
خلّفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل» (^١).
وكلام الحافظ هذا فيه جواب عمَّا استشكله الحافظ ابن كثير، عندما قال: إنه لا يدري ما وجه غضب فاطمة -﵂- على أبي بكر، بعد أن حدَّثها بالحديث (^٢)، فقد وضح الآن أنها تأولت الحديث، على أن المراد به: تملُّك الأصول والرقاب دون المنفعة.
* الوجه الخامس: ذكر العلماء: أن الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون، أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موتهم فيهلك بذلك، وحتى لا يظن بهم الرغبة في الدنيا وجمع حطامها لورثتهم.
وقال الشيخ محمد العثيمين في بيان حكمة عدم توريث الأنبياء: «لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكًا يورث من بعدهم؛ ولكن الله ﷿ منع ذلك، فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له» (^٣).
* الوجه السادس: من الأمور التي يستحسن التنبيه عليها؛ أن أبا بكر الصديق لم يمنع فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- وحدها من ميراث النبي -ﷺ-، بل لقد منع كل من كان مستحقًا لإرثه -ﷺ- لو كان يورث، ومنهم عمّه العباس وجميع أزواج النبي -ﷺ- بمن فيهم ابنته عائشة -﵃- جميعًا، وإذن فلم يخص أبو بكر فاطمة بالمنع وحدها فقط.
_________________
(١) «فتح الباري» ٦/ ٢٠٢.
(٢) ينظر «البداية والنهاية» ٥/ ٣٠٧.
(٣) «شرح رياض الصالحين» ١/ ٢٠٥.
[ ٢٦٩ ]