أي بيان الأحاديث الواردة في رؤيا رسول الله -ﷺ- في المنام، وما يتعلق بها من أحكام. وقد ذكر شرّاح الشمائل: أن الإمام الترمذي ختم كتابه بهذا الباب، بعد بيانه لصفات النبي -ﷺ- الظاهرة والباطنة، حتى يستطيع الرائي التحقق من أن الذي رآه في المنام أهو رسول الله -ﷺ- أم لا؟ فإن طابقت الرؤيا صفاته المعلومة كانت حقًا، وإلا فلا.
٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَصَوَّرُ»، أَوْ قَالَ: «لَا يَتَشَبَّهُ بِي».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (^١) بنحوه، وقد روى نحوه أربعة عشر صحابيًا، منهم: أنس بن مالك، وأبو مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو قتادة، وأبو سعيد، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وصرح
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٦٩٩٣)، «صحيح مسلم» (٢٢٦٦).
[ ٢٧١ ]
بتواتره الحافظ المناوي (^١) والكتاني (^٢) وغيرهما.
* الوجه الثالث: معنى هذا الحديث كما ذكر العلامة العيني وغيره: أن من رأى النبي -ﷺ- في المنام فهي رؤيا صحيحة صادقة لا أضغاث أحلام، ولا من تشبيه الشيطان، لأن الشيطان لا قدرة له على التشكل على صورته وخلقته -ﷺ- (^٣).
* الوجه الرابع: متى يقال فيمن رأى النبي -ﷺ- في المنام: إنّه رآه حقًا؟
الجواب: أن هناك علامة فارقة يستطيع بها المرء أن يعرف من رآه، هل هو النبي -ﷺ- أو غيره؟
فإن كان الذي رآه على صورة شبيهة بصورة النبي -ﷺ- الثابتة بالنقل الصحيح عنه فهو النبي -ﷺ-، وإن كان من رآه مخالفًا لصورته -ﷺ- المعروفة المعهودة في سنته، بأن رآه طويلًا جدًا أو قصيرًا جدًا، أو شديد السمرة، أو نحو ذلك، فإنه لم ير النبي -ﷺ-.
ولذلك أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي، قال: قلت: لابن عباس، رأيتُ النبي -ﷺ- في المنام، قال صفه لي؟ قال ذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال قد رأيته. قال ابن حجر: سنده جيد (^٤).
وثبت عن التابعي الجليل محمد بن سيرين، أنه كان إذا قصَّ عليه رجلٌ
_________________
(١) «فيض القدير» ٦/ ١٣١.
(٢) «نظم المتناثر» ص ٢١٨.
(٣) ينظر «عمدة القاري» ٢/ ١٥٥.
(٤) «فتح الباري» ١٢/ ٣٨٤.
[ ٢٧٢ ]
أنه رأى النبي -ﷺ-، قال له: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره، وسنده صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر (^١).
* الوجه الخامس: رؤيا النبي -ﷺ- على صورته الحقيقة، قد تكون بشارة للمسلم، وقد تكون نذارة أو تخويفًا له، فإن رأى النبي -ﷺ- مقبلًا عليه فهي خير وبشارة، وإن رآه معرضًا عنه كان العكس (^٢).
* الوجه السادس: ذكر العلماء: أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤى والمنامات، فلو رأى أحد النبي -ﷺ- يأمره بشيء مخالف للكتاب أو السُّنة، أو غير ثابت في الكتاب أو السُّنة، فإنه لا يجوز له العمل بهذا الحكم أو الترك به، لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال؛ إلا أن تُعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عُمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها.
فلو رأى في النوم النبيَّ -ﷺ- يقول له: إن فلانًا سرق فاقطعه، أو عالمًا فاسأله، أو فلانًا زنى فحدَّه ..، وما أشبه ذلك لم يصح له العمل بذلك، حتى يقوم له الشاهد والبينة في اليقظة، وإلا كان عاملًا بغير شريعة (^٣).
أما إذا رأى النبي -ﷺ- يأمره بفعل هو مندوب إليه في الشرع، أو ينهاه عن منهي عنه في الشرع، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب
_________________
(١) «فتح الباري» ١٢/ ٣٨٤.
(٢) «فتح الباري» ١٢/ ٣٨٤.
(٣) «الاعتصام» للشاطبي ١/ ٣٣٢.
[ ٢٧٣ ]
العمل على وفقه، لأن ذلك ليس حكمًا بمجرد المنام، بل تقرر من أصل ذلك الشيء (^١).
والحاصل أن أحكام الشريعة لا تثبت ولا تنفى بالرؤى والأحلام إطلاقًا، والله ﵎ أعلم.
هذا وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم الكتاب
بحمد الله تعالى
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي ١/ ١١٥.
[ ٢٧٤ ]