أي بيان ما ورد في صفة لباس رسول الله -ﷺ- من الأحاديث وما يتعلق باللباس من أحكام وآداب. وقد ذكر بعض العلماء أن اللباس تعتريه
الأحكام الخمسة، فقد يكون واجبًا كاللباس الذي يستر العورة من العيون، ومندوبًا كالثوب الحسن في العيدين والجُمَع، ومحرمًا كلبس الحرير للرجال، ومكروهًا كلبس الثياب الرثة دائمًا للغني، ومباحًا وهو ما عدا ذلك.
٩ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ الله -ﷺ- يلبسه القَمِيصُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أم سَلَمَة: هي أم المؤمنين، هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، إحدى زوجات النبي -ﷺ-، أسلمت قديمًا، وكانت من
أكمل النساء عقلًا وخلقًا، تعد من فقهاء الصحابة، توفيت في المدينة، سنة: ٦١ هـ.
[ ٤٧ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢) وحسنه، وابن ماجه (^٣)، وصححه الحاكم (^٤)، والألباني، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث حسن.
* الوجه الثالث: في غريبه:
(القميص): هو الثوب والجلباب المعروف، له كمان تدخل فيهما اليدين، وفتحة للعنق.
* الوجه الرابع: قال العلماء: وإنما كان القميص أحب الثياب إلى رسول الله -ﷺ- لأنه أستر للبدن من الإزار والرداء اللذين يحتاجان إلى كثير من الربط والإمساك، كما أنه مريح في الحركة، خفيف في لبسه وخلعه.
* الوجه الخامس: ثبت عن النبي -ﷺ- أنه لبس أنواعًا مختلفة من اللباس، ولم يقتصر على صنف واحد، فقد ثبت أنه لبس القميص، ولبس الإزار والرداء، ولبس الجبة، ولبس البردة، ولبس القباء، ولبس الفروة، ولبس السراويل وغير ذلك (^٥).
* الوجه السادس: ذكر العلماء أن الأصل في اللباس الحل والإباحة، وأن للمسلم لبس ما يشاء إلا ما ورد النهي عنه، كتحريم الحرير للرجال، أو
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٠٢٥).
(٢) «سنن الترمذي» (١٧٦٢).
(٣) «سنن ابن ماجه» (٣٥٧٥).
(٤) «مستدرك الحاكم» (٧٤٠٦).
(٥) ينظر «زاد المعاد» ١/ ١٣٨
[ ٤٨ ]
ما يكشف العورة، أو ما فيه تشبه بالنساء والكفار مما هو مختص بهم، أو ما كان لباس شهرة.
وقد دل على هذا الأصل نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله -ﷺ-: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة»، وقال ابن عباس: «كلْ ما شئت، والبسْ ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرفٌ، أو مخيلة» (^١).
* * *
١٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو سعيد الخدري: هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سِنَان الخزرجي الأنصاري الخدري، وخدره بطن من الأنصار، كان من حفاظ الحديث المكثرين، ومن العلماء الفضلاء العقلاء، توفي سنة: ٧٤ هـ.
_________________
(١) «صحيح البخاري»، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ٧/ ١٤٠.
[ ٤٩ ]
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢) وحسنه، وصححه ابن حبان (^٣)، والنووي (^٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر بشواهده (^٥).
* الوجه الثالث: قوله «سماه باسمه»، مقصود هذه العبارة على الصحيح أن النبي -ﷺ- كان عندما يدعو بهذا الدعاء يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتني هذه العمامة أو هذا القميص، يسمّيه باسمه مستحضرًا منَّة الله ﷿ عليه، وليس المراد أن يطلق على الكساء الجديد اسمًا أو العمامة الجديدة اسمًا.
* الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب دعاء المسلم بهذا الدعاء عندما يكرمه الله ﵎ بلباس جديد، قميصًا كان أو عمامة أو غير ذلك.
* * *
١١ - عَنْ عَوْنِ بنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رأيت النبي -ﷺ- وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو جحيفة هو: وهب بن عبد الله بن مسلم السوائي، صاحب رسول الله
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٥٢٠).
(٢) «سنن الترمذي» (١٧٦٧).
(٣) «صحيح ابن حبان» (٥٤٢٠).
(٤) «الأذكار» (٤٥).
(٥) «نتائج الأفكار» ١/ ١٢٢.
[ ٥٠ ]
-ﷺ-، توفي النبي -ﷺ- وهو مراهق، وولي بيت المال والشرطة لعلي بن أبي طالب -﵁-، كانت وفاته بالكوفة، سنة: ٧٤ هـ -﵁-.
* الوجه الثاني في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بلفظ أطول (^١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(الحلة): إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا اسمًا للثوبين معًا.
* الوجه الرابع: دل لبس النبي -ﷺ- للحلة الحمراء على جواز لبس الأحمر، ولو كان قانيًا، وهو مذهب الشافعي وغيره (^٢)، وقد صحت أحاديث أخرى في لباس النبي -ﷺ- للحلة الحمراء، كحديث البراء بن عازب -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- مربوعًا، وقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه»، أخرجاه في الصحيحين (^٣).
وخالف بعض العلماء كابن قيم الجوزية، وذهبوا إلى تحريم لبس الأحمر الخالص على الرجال، مستدلين بأدلة من أصحها: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي -ﷺ- نهى عن لبس المعصفر (^٤)، والعصفر يصبغ صباغًا أحمر، قالوا: وما ورد من لبس النبي -ﷺ- للحلة الحمراء، فهذه لم تكن خالصة الحمرة، وإنما كانت منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمانية.
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٧٦)، «صحيح مسلم» (٥٠٣).
(٢) «أشرف الوسائل» ص ٥٢.
(٣) «صحيح البخاري» (٥٨٤٨)، «صحيح مسلم» (٢٣٣٧)، واللفظ للبخاري.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٠٧٧، ٢٠٧٨).
[ ٥١ ]
ونوقش هذا: بأنه لا دليل عليه لغة ولا شرعًا، وظاهر الأحاديث يدل على أن الحلة كانت كلها حمراء (^١).
قالوا: وأما استدلال المانعين بالنهي عن المعصفر، فقد اختلف في علة هذا النهي، فقيل: المعصفر من زينة النساء، وقيل: النهي خاص بالمعصفر وليس كل أحمر، وقيل: تحمل أحاديث النهي على الكراهة، وأحاديث الحلة الحمراء على الجواز.
والحاصل أن لبس الأحمر فيه خلاف كبير بين العلماء، وقد حكى الحافظ ابن حجر في الفتح (^٢) سبعة أو ثمانية أقوال في المسألة، ونَسَبَ إلى جمع من الصحابة والتابعين القول بالجواز مطلقًا، فمثل هذه المسألة مما لا ينبغي التشديد فيها، لقوة الخلاف وتعارض الأدلة.
ويعجبني في هذه المسألة قول الإمام الطبري: «الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة» (^٣).
فيفهم من كلام الإمام الطبري؛ أن الأصل في لبس الأحمر الجواز، إلا إذا خالف عرف الناس فيمنع لأجل الشهرة، والعرف قد يتغير من زمان إلى زمان، وليس فيه حكم مضطرد.
_________________
(١) «أشرف الوسائل» ص ٥٢.
(٢) «فتح الباري» ١٠/ ٣٠٥.
(٣) «فتح الباري» ١٠/ ٣٠٦.
[ ٥٢ ]
* الوجه الخامس: صحت النصوص في الترغيب في لبس الثياب البيضاء، كحديث ابن عباس مرفوعًا: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (^١).
وورد تعليل الاستحباب في حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: «البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب»، رواه الترمذي وصححه (^٢)، وقال ابن حجر: «إسناده صحيح» (^٣).
فهذا الحديث يوضح سبب الترغيب في لبس الأبيض، لأنه أطهر، لأن النجاسة تظهر إذا وقعت عليه، ولأنه أقرب للتواضع وعدم الكبر والخيلاء.
* الوجه السادس: أما لبس بقية الألوان، فقد تقدم قبل قليل كلام الطبري في جواز لبس كل الألوان، ولم أقف على ما يمنع من لبس لون بعينه، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه لبس ألوانًا مختلفة، فقد لبس الأبيض، ولبس الأسود، ولبس الأحمر، والأخضر، والأصفر، ولبس المخطط، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وصححه، وصححه ابن حبان (٥٤٢٣)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ١٨، وابن الملقن في «البدر المنير» ٤/ ٦٧١، وأحمد شاكر في تحقيق «المسند» (٢٢١٩) وغيرهم.
(٢) «سنن الترمذي» (٢٨١٠).
(٣) «فتح الباري» ٣/ ١٣٥.
[ ٥٣ ]