غزوة أحد إحدى مغازي النبي صلى الله عليه وسله، تنسب إلى جبل أحد وهو جبل يقع شمال المدينة النبوية، أخبر النبي صلى الله عليه وسله أنه من جبال الجنة فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي حميد قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: "هذه طابةُ وهذا أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه" ٢.
في سفح هذا الجبل وقبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وبالتحديد في منتصف شوال من العام الثالث من الهجرة٣ وقعت غزوة أحد بين فئتين من أهل ذاك العصر: فئة تؤمن بالله واليوم الآخر وهم: أصحاب النبي صلى الله عليه وسله الذين التفوا حوله بقلوبهم فهم المجتمع الإسلامي الصافي من كل الشوائب، وبين فئة كافرة بالله مشركة وهم: مشركو قريش ومن أطاعهم.
هذه الغزوة هي الغزوة الوحيدة التي قاتل فيها صلى الله عليه وسله بنفسه، وفيها ضرب أبي ابن خلف بحربة، وهي المرة الوحيدة التي يضرب بها أحدًا من الناس بيده٤.
_________________
(١) ١ وقعت الغزوة بجانب جبل أحد فنسبت إليه ويقع هذا الجبل شمال المدينة النبوية ويبلغ ارتفاعه ما يزيد على العشرين ومائة مترا، ويبعد عن المسجد النبوي خمسة أكيال ونصف الكيل بدءًا من باب المجيدي أحد أبواب المسجد النبوي من المبني القديم (أ. د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة: ٢/٣٧٨) . ٢ البخاري، الجامع الصحيح: ٨/١٢٥. ٣ أجمع علماء السيرة على أن الغزوة كانت في شوال من السنة الثالثة، انظر كتاب السير والمغازي لابن إسحاق: ٣٢٤، وانظر أقوالهم في: (مرويات غزوة أحد، حسين الباكري: ٤٣) . ٤ نقل الحلبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك (الصالحي، سبل الهدى والرشاد: ٤/٩)، وقال الحلبي في السيرة الحلبية عقب سرده لقصة ضرب النبي ﷺ لأبي بن خلف: “قال في النور: ولم يقتل بيده الشريفة ﷺ قط أحدا إلا أبي بن خلف؛ لا قبل ولا بعد” (السيرة الحلبية ٢/٥١١-٥١٢) .
[ ٣٧١ ]
وسبب هذه الغزوة أن المشركين أرادوا أن يثأروا لقتلاهم في غزوة بدر التي وقعت قبل أحد بسنة وشهر١ وليخلصوا طرقهم التجارية إلى الشام من سيطرة المسلمين، وليستعيدوا مكانتهم عند العرب التي تأثرت لهزيمتهم في بدر٢.
فقد أجمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسله بأحابيشها ومن أطاعهم من قبائل: بني كنانة، وأهل تهامة٣ وبلغ عددهم: ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس٤ وثماني نسوة ٥.
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسله رؤيا تتعلق بالغزوة فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسله قال: “رأيت في رؤيايَ أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقْرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد” ٦.
ولما علم المسلمون بقدوم المشركين لغزو المدينة شاور رسول الله صلى الله عليه وسله أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها أو الخروج لملاقاة جيش المشركين ولما استمع ﵊ لآراء الصحابة وقد رأى بعضهم البقاء في المدينة ورأى آخرون الخروج منها لملاقاتهم خارجها، انطلق صلى الله عليه وسله فلبس لأمته، فتلاوم
_________________
(١) ١ ابن إسحاق، كتاب السير والمغازي: ٣٢٢، حسين الباكري، مرويات غزوة أحد: ٤٦، وأ د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة: ٢/٣٧٨. ٢ حسين الباكري، مرويات غزوة أحد: ٤٦، وأ د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة: ٢/٣٧٨. ٣ ابن إسحاق، كتاب السير والمغازي: ٣٢٢-٣٢٣. ٤ ابن إسحاق، كتاب السير والمغازي: ٣٢٦. ٥ انظر أسماءهن في كتاب السير والمغازي لابن إسحاق: ٣٢٣-٣٢٤، وفي تهذيب سيرة ابن إسحاق لابن هشام: ٣/٦٢. ٦ رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁: ٧/٣٧٤-٣٧٥.
[ ٣٧٢ ]
الصحابة وقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسله بأمر وعرضتم بغيره، وأرسلوا عمه حمزة بن عبد المطلب يعتذر عنهم ويقول له: أمرنا لأمرك تبع فلما أخبر حمزة رضي الله النبي صلى الله عليه وسله بذلك قال له ﵊: “إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز” ١.
خرج المسلمون من المدينة رافعين راية سوداء، وثلاثة ألوية: لواء للمهاجرين يحمله مصعب بن عمير، ولواء الأوس يحمله أسيد بن حضير، ولواء الخزرج يحمله الحباب بن المنذر، وقد اجتمع تحت هذه الألوية: جيش تعداده ألف نفس كانوا في بادىء الأمر خليطا فيهم: مسلمون صادقون، وفيهم متظاهرون بالإسلام من أتباع عبد الله بن أبي بن سلول، منهم مئتا دارع، ومعهم فرسان فقط.
_________________
(١) ١ جاء ذلك في رواية طويلة رواها ابن إسحاق في كتاب السير والمغازي: ٣٢٤-٣٢٥، عن جمع من شيوخه فيهم عدد مبهمون جمع رواياتهم كلها في متن واحد، وذكره كذلك ابن هشام في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق: (٣/٦٠-٦٣)، ورواه الإمام أحمد في المسند: (٣/٣٥١) بإسناده عن أبي الزبير عن جابر به نحوه وذكر هـ الطبري في التفسير: (٤/١٦٤-١٦٥) وصدره بقوله: (ذُكر لنا)، ورواه الطبراني ومن طريقه الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٥/٣٣٠-٣٣١) بإسناده عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس بمثل رواية الحاكم، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/١٢٨-١٢٩) بإسناده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ به نحوه ولفظه: “ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه” وقال الحاكم: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه” وأقره الذهبي فقال في التلخيص: صحيح، وذكر رواية الحاكم هذه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/٣٤١) وقال: وهذا سند حسن، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٤٠-٤١) بإسناده من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة به نحوه، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٤/١٢-١٣)، وصحح الألباني المرفوع إلى النبي ﷺ بمجموع الطرق؛ انظر تعليقاته على فقه السيرة لمحمد الغزالي: ص ٢٦٩.
[ ٣٧٣ ]
ولبس رسول الله صلى الله عليه وسله درعين، وخرج الجيش متجها إلى أحد، وبالقرب من موقع المعركة، ولما كان الفريقان يرى بعضهم بعضا؛ انسحب رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، وذلك إنما هو تصفية وتنقية لجيش المسلمين قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ .
ورأى بعض الصحابة قتال المنافقين أتباع رأس المنافقين الذين انسحبوا من الجيش قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ .
وهمَّ بعض المسلمين بالعودة إلى المدينة ولكن الله تولاهم فقاوموا الضعف الذي ألم بهم قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
ولما وصل جيش المسلمين ميدان المعركة: تفقد النبي صلى الله عليه وسله جيش المسلمين واستعرض صغار الصحابة الذين لا طاقة لهم بالقتال فلم يجزهم، ونظم ﵊ صفوف الجيش وجعل ظهورهم إلى جبل أحد ووجوههم تستقبل المدينة، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير ﵃ فوق جبل عينين المقابل لجبل أحد من جهة الجنوب لحماية المسلمين من التفاف المشركين عليهم وإحاطتهم بهم، وشدد ﵊ على هؤلاء الصحابة بألا يبرحوا مكانهم مهما تغيرت الظروف فقال لهم: “لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينون” ١.
التقى الفريقان واشتد القتال بين المسلمين والمشركين، وأبدى المسلمون رغم قلة العدة والعدد بطولة فائقة حتى قتلوا من المشركين وجرحوا وتراجع
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه، (الجامع الصحيح مع فتح الباري: ٧/٣٤٩) .
[ ٣٧٤ ]
المشركون وانهزموا، فلما رأى الرماة هزيمة المشركين قالوا لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسله؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ثم انطلقوا يجمعون الغنائم١.
وبعد نزول الرماة وانكشاف ظهور المسلمين: رأى خالد بن الوليد وكان على خيالة المشركين الفرصة سانحة فالتف حول المسلمين، وشجع ذلك المشركين فعادوا للقتال من جديد وأحاطوا بالمسلمين من جهتين وفقد المسلمون مواقعهم الأولى وأخذوا يقاتلون دون تخطيط فأخذوا يتساقطون شهداء في ميدان المعركة في سفح جبل أحد.
وهؤلاء الشهداء استحقوا أفضل ما يجزى به شهيد لأنهم شهداء غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسله، وأضافوا إلى ذلك فضل صحبة النبي صلى الله عليه وسله وغير ذلك من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم الكثيرة.
ولشهداء أحد ﵃ فضل ومزيّة على غيرهم من شهداء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد وردت آيات وأحاديث في فضلهم رضوان الله عليهم، فمما نزل فيهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٢.
نزلت هذه الآية في شهداء أحد عامة ٣ أو في أحدهم وهو أنس بن النضر ﵁، لما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: ترى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر الخزرجي: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السّابق. ٢ سورة الأحزاب، الآية رقم: ٢٣. ٣ انظر: فتح الباري لابن حجر: ٨/٥١٨.
[ ٣٧٥ ]
عَلَيْهِ ١﴾ ٢، ونزل فيهم أيضا قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَفَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
قال ابن كثير: “يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار”٤.
روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسله: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله ﷿ أرواحهم في أجواف طير خضر ترِد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: ياليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله ﷿ أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات على رسوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٥﴾ ٦.
وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسله فقال "يا جابر مالي أراك منكسرا مهتما قلت يا رسول الله استشهد أبى وترك عيالا وعليه دين قال أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك قلت بلى يا رسول الله قال إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا وما كلم أحدا قط إلا من
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية رقم: ٢٣. ٢ البخاري، الجامع الصحيح: ٨/٥١٨. ٣ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧١. ٤ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: ١/٤٢٦. ٥ سورة آل عمران، الآية رقم: ١٦٩. ٦ أحمد، المسند: ١/٢٦٥، وبتحقيق د. عبد الله التركي وآخرين: ٤/٢١٨.
[ ٣٧٦ ]
وراء حجاب فقال له يا عبدى تمنَّ أعطك قال يا رب تردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب تعالى ذكره إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قال يا رب فأبلغ من ورائي" فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا الآية﴾ ١.
وسيأتي في تراجم الشهداء أحاديث أخرى تدل على فضل شهداء أحد.
_________________
(١) ١ ابن عبد البر، الاستيعاب: ٢/٣٣٩-٣٤١، وابن الأثير، أسد الغابة: ٣/٢٤٢-٢٤٤، وابن حجر، الإصابة: ٢/٣٥٠، ورواه الترمذي وحسنه، السنن: ٥/٢٣٠-٢٣١.
[ ٣٧٧ ]