بعد معاودة الوحي، ونزول سورة: يا أيها المدثر، وسورة: يا أيها المزمل، قام رسول الله - ﷺ - بإِبلاغ الدعوة في نطاق أسرته ومعارفه ومن يثق به منهم، وهو ما عرف عند علماء السيرة يالدعوة السرية حيث استمرت ثلاث سنوات.
وأول من عَرَف بأمر النبوء والرسالة زوجته خديجة - ﵂ - فآمنت وصدقت وآزرت ونصرت ثم بقيَّة أهل البيت النبوي، مولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان غلامًا شابًا في حِجره ورعايته، وعرض رسول الله - ﷺ - الإِسلام على أبي بكر الصديق فبادر إِلى الإسلام من غير تردد حيث كان صديقًا لرسول الله - ﷺ -، وقد روى ابن إِسحاق أن رسول الله - ﷺ - قال: ما دعوت أحدًا إِلى الإِسلام إِلا كانت عنده كبوة وتردد
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ١/ ٢٧.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٢٧.
(٣) مروان كجك، تهذيب سيرة ابن كثير، ص ١٠٣.
[ ١٠١ ]
ونظر، إِلا أبا بكر، ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه (١)، وهذا وإِن كان مرسلًا إِلا أنه يشهد له حديث أبي الدرداء عند البخاري (٢)، وفيه قول النبي - ﷺ -: إِن الله بعثني إِليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صَدَقت، وواساني بنفسه وماله الحديث). وكان أبو بكر -﵁ - صدرًا معظمًا، ورئيسًا في قريش مكرمًا، وصاحب مال، وكان محببًا مآلفًا لقومه، وقد استفاد من هذه الصفات في الدعوة إِلى الله، فإِنه -﵁ - بعد معرفته للحق وإِسلامه أخذ يدعو إِلى الله وإلى الإِسلام من وثق به من قومه، فأسلم على يديه ثلة من السابقين الأولين والعشرة المبشرين بالجنة، والذين أصبحوا فيما بعد قادة وسادة في الأمة، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فجاء بهم إِلى رسول الله - ﷺ - فأسلموا وصدقوا. ثم جاء من الغد بعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا ﵃ (٣)، وهكذا كان أبو بكر يدعو إِلى الله ويجتهد ويأتي بالرجالِ تلو الرجال ويتخير الثقات والأبطال، وفي هذا درس للدعاة، وأهمية علو الهمة والاجتهاد في الدعوة إِلى الله مع الإخلاص وابتغاء ثوابه.
وقد أسلم في السنوات الثلاث عدد من الرجال والنساء والشباب، ومن الأحرار والعبيد ما يقارب الأربعين نفسًا، وقد دخل الإِسلام أغلب البيوت في مكة، لكنهم كانوا يسلمون سرًا ويكتمون أمرهم خوفًا من المشركين، والمتأمل في أسمائهم وأنسابهم يجد أنهم من كافة الطبقات وهكذا الحق يقبل عليه الجميع ولا يكون مقصورًا على طائفة أو قبيل دون آخر.
_________________
(١) ابن كثير، السيرة النبوية ١/ ٤٣٣.
(٢) كتاب فضائل الصحابة ح رقم ٣٦٦١.
(٣) ابن كثير -المصدر السابق ١/ ٤٣٩.
[ ١٠٢ ]
والحكمة من سرية الدعوة في أول أمرها ظاهرة، إِذ أن مجابهة المجتمع بما يخالف ما هم عليه يحتاج إِلى حكمة وإِعداد وتكوين للعناصر المستجيبة حتى يشتد عودها ويكثر عددها وتقوى نفوسهم على تحمل البلاء، وفي هذا تعليم للدعاة إِلى الله وبيان مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة.
وقد اتخذ النبي - ﷺ - دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي التي تقع عند الصفا مكانا لاجتماعه بمن أسلم من أصحابه (١)، وكان اختياره دار الأرقم لمواصفات في موقعها القريب من السجد ولكنه لا يقع تحت نظر قريش وهم في أنديتهم حول الكعبة، وصاحبها كان شابا عزبا من بني مخزوم وقد أسلم ولا يعلم عن إِسلامه أحد من قومه، وكان والده كفيف البصر. وقد استمر اجتماع النبي - ﷺ - بأصحابه في هذه الدار سرا حتى بعد إِعلان الدعوة والجهر بها، وبعد الهجرة إِلى الحبشة، فقد أسلم عمر في السنة السادسة والنبي - ﷺ - في دار الأرقم.