البعثة المحمدية هي خاتمة الرسالات كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين الآية﴾ (٢).
ورسالته عامة لجميع الإِنس والجن، كما أن شريعته ناسخة لجميع شرائع الرسل فلا يقبل الله من أحد غير شريعته - ﷺ -، وهي تأتي حسب التسلسل التاريخي آخر النبوات.
والسيرة النبوية في نطاقها الزماني هي من ولادته - ﷺ - عام الفيل وحتى وفاته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية، وجملتها ثلاث وستون سنة قمرية ويوافقها في التاريخ الميلادي من «٥٧١ م- ٦٣٢ م» (٣)
والنبوات جميعًا تمثل وحدة تاريخية ذات حلقات متعددة، والأنبياء وأتباعهم أمة واحدة، لها سمات مشتركة، والتاريخ الإِسلامي بهذا المفهوم ليست بدايته من بعثة محمَّد - ﷺ - كما قد يظن البعض، وإِنما بدايته الحقيقية من هبوط آدم وحواء إِلى هذه
_________________
(١) انظر: مصادر السيرة النبوية وتقويمها ص ٢١ - ٢٣ (بتصرف يسير)
(٢) سورة الأحزاب، آية٤٠.
(٣) راجع: "التقويمان الهجري والميلادي"، تأليف فريمان، وجرنفيل، ترجمة حسام الدين القدسي.
[ ١٩ ]
الأرض مسلمين لله رب العالمين فإِن آدم أبا البشر ﵊ "نبي مكلم (١) " واستمرت ذريته عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما ثبت بذلك الخبر عن ابن عباس ﵄ (٢).
ثم لما وقع الانحراف في التوحيد وظهر الشرك في البشرية، بعث الله نوحًا ﵊ ليجدد معالم التوحيد، ويعيد المشركين إِلى الحق، ثم تتابعت الرسل والأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣)
فأصل الدين واحد، وهو التوحيد الذي هو إِفراد الله بالعبادة، أما الشرائع فهي متنوعة كما قال ﵊ "أنا أولى الأنبياء بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، والأنبياء إِخوة من عَلّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي" (٤) ومنذ وقوع الشرك في القوم الذين بُعث إِليهم نوح ﵊ انقسمت البشرية من حيث العقيدة إِلى أمتين اثنتين:
- أمة مسلمة مُوحِّدة.
- أمة كافرة مُشْرِكة.
وكل الذين صَدّقوا الرسل واتبعوهم من آدم ﵊ إِلى محمَّد -ﷺ-
_________________
(١) الخطيب التبريزي، مشكاة المصابيح ٣/ ١٢٧٥ ح رقم ٥٧٣٧ وقال رواه أحمد. وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على الشكاة.
(٢) رواه ابن جرير في التفسير ٤/ ٢٧٥ والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٤٦ وصححه، وانظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (١/ ٣٦٤).
(٣) سورة النحل، آية ٣٦.
(٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح رقم ٣٤٤٣ والإِخوة من عَلاّت: هم أبناء الرجل الواحد من نساء شتى.
[ ٢٠ ]
هم المسلمون، ويمثلون أمة واحدة، وإِن اختلفت أوطانهم ولغاتهم وتباعدت أزمانهم واختلفت شرائعهم، كما قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١) فأتباع الرسل أمة واحدة، وهي أمة التوحيد، وحزب الرحمن، وأهل الحق والأِيمان، وهم المسلمون.
أما الذين كذبوا الرسل فهم أمة الكفر والضلال، وهم حزب الشيطان، وهم أمة واحدة مهما اختلفت أوطانهم ومذاهبهم وأزمانهم، فإِن السَّمة الجامعة لهم هي الشرك وعبادة غير الله.
وهذا المفهوم يوضح منزلة السيرة النبوية بين سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإِن كان نطاقها الزماني محدودًا بحياة النبي - ﷺ - من الولادة حتى الوفاة، فهي امتداد لسير الأنبياء قبله، واستمرار لتاريخ أمة الإِسلام المهتدين بهديه من بعده حتى قيام الساعة.