بُعث النبي - ﷺ - في مكة بلد الله الحرام، وفيها بيته المعظم الذي رفع قواعده إِبراهيم الخليل وابنه إِسماعيل جَدُّ العرب، والنبي - ﷺ - من أهلها وقد ولد ونشأ فيها، ومكة يومئذ حاضرة الجزيرة العربية الكبرى، ولها مكانة دينية عندهم حيث يحجون إِليها كل عام، ثم هاجر - ﷺ - إِلى المدينة النبوية بعد ثلاث عشرة سنة من النبوة، وفيها أسس بناء دولة الإِسلام، وابتدأ الجهاد حتى فتح مكة وما حولها، ثم أتته الوفود مُسْلِمة ومستسلمة في العام التاسع من الهجرة، ولم ينتقل إِلى الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها خاضعة لسلطان الإِسلام، وأهلها إِما مسلمون، وإِما معاهدون مسالمون، والرسول - ﷺ - هو أول من جمع الجزيرة العربية بكاملها في وحدة واحدة، وحدة فكرية عقدية، ووحدة سياسية
_________________
(١) سورة الأنبِياء آية ٩٢.
[ ٢١ ]
جغرافية، وحدة على ملة الإِسلام ودين التوحيد، وكانت قبل ذلك طول تاريخها إِمارات ودولا متفرقة. ففي اليمن كانت دولة مَعِين، ثم دولة سبأ، ثم حمير، ثم استعمرها الأحباش، ثم دخل عليهم الفرس وصارت الولاية في أبنائهم. وفي شمال الجزيرة كانت في وقت البعثة إِمارات الحيرة الخاضعة للفرس، والغساسنة الخاضعين للروم.
أما الحجاز فتولّى أمرها إِسماعيل بعد بناء البيت العتيق (الكعبة المشرفة) ثم أولاده من بعده، ثم جد أولاد إِسماعيل مضاض بن عمرو الجرهمي، وطالت ولاية جرهم للبيت حوالي عشرين قرنًا، ثم نزعتها منهم خزاعة فحكمتها ثلاثمائة سنة حتى انتزعها قصي بن كلاب، وجمع قريشا في مكة وما حولها وذلك منتصف القرن الخامس الميلادي (١).
فالجزيرة العربية هي النطاق المكاني لحركة السيرة النبوية في عهده - ﷺ - وبعد وفاته - ﷺ - حدثت ردة في الأطراف والقرى، ولكن تمكن أصحابه الكرام بقيادة خليفته الأول أبي بكر الصديق - ﵃ - من قمع المرتدين وإعادتهم إِلى الهدى ودين الحق في أقل من عام واحد، ثم انطلقوا بالدعوة والفتوحات إِلى من يليهم من أهل الأرض مشرقًا ومغربًا حتى دانوا بالإِسلام، وخضعوا لشريعته وأحكامه كما هو معلوم من سير الفتوحات الإِسلامية التي استمرت في انطلاقتها طوال القرن الأول من الهجرة فوصلوا إِلى حدود الصين شرقًا وإِلى المحيط الأطلسي وحدود فرنسا غربًا، ولله الحمد والمنة.