الدلائل، هي المعجزات والبراهين الدالة على صدقه في النبوة والرسالة، ودلائل النبوة منها المعنوي، ومنها الحسي الخارق للعادة، ويسمى معجزة ودليلًا وبرهانًا وآية من الآيات.
والدلائل التي يؤيد الله بها رسله ويُجري بعضها على أيديهم ليست من كسبهم ولا قدرتهم الذاتية وإِنما هي محض فضل من الله وهبة منه لتكون تأييدًا وتصديقًا لهم وبيانًا لمنزلتهم عنده ﷿. ومن سنة الله ﷾ أنه لا يؤيد الكاذب عليه، وقد باء بالخزي والخذلان كل من ادعى النبوة من الكذابين مثل الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، والمختار بن أبي عبيد وغيرهم.
_________________
(١) البداية والنهاية: ٨/ ٤٥٦.
(٢) سورة القلم، آية: ٤.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ٤٥٥.
(٤) سورة التوبة، آية: ١٢٨.
[ ٣٤ ]
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١).
ودلائل نبوة نبينا محمَّد - ﷺ - كثيرة جدًا وقد ذكر الإِمام البيهقي أنها تزيد على ألف دليل (٢). بل ذكر النووي في مقدمة شرح صحيح الإِمام مسلم أنها تزيد على ألف ومائتي دليل (٣).
ودلائل النبوة جاءت بحسب وقوعها على مراحل:
١ - ما وقع قبل البعثة، مثل بشارات الأنبياء به في الكتب السابقة (٤)، وأخبار الكهان والجان (٥)، وتسليم حجر عليه بالنبوة في مكة (٦)، وشق صدره وهو في بادية بني سعد (٧).
٢ - ما وقع على يديه - ﷺ - بعد البعثة حتى توفاه الله، ومن أعظم ذلك نزول الوحي بهذا القرآن العظيم على الرسول الله الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ومثل نزول المطر بعد دعائه مباشرة (٨)، ونبع الماء بين أصابعه (٩)، ودعائه في الماء القليل فيكون كثيرًا (١٠)، وحنين الجذع الذي بمسجده عندما ترك الاستناد إِليه (١١)،
_________________
(١) سورة الحاقة، الآيات: ٤٤ - ٤٧.
(٢) دلائل النبوة: ١/ ٦٠.
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٢.
(٤) صحيح البخاري، ح رقم: ٤٨٣٨.
(٥) صحيح البخاري، ح: ٣٨٦٦.
(٦) صحيح مسلم، ح رقم: ٢٢٧٨.
(٧) متفق عليه.
(٨) صحيح البخاري، ح رقم: ٣٥٨٢.
(٩) المصدر نفسه، ح رقم: ٣٥٧٣، ٣٥٨٥.
(١٠) المصدر نفسه، ح رقم: ٣٥٧٥ - ٣٥٧٤.
(١١) المصدر نفسه، ح رقم: ٣٥٨٣ - ٣٥٨٥.
[ ٣٥ ]
وانقياد الأشجار والبهائم لأمره - ﷺ - (١)، وشهادة الذئب ببعثته ونبوته (٢)، وانشقاق القمر نصفين عندما طلبت قريش آية حتى رأوا ذلك (٣)، وتحقق وعد الله له بهزيمة المشركين في بدر، قال تعالى في سورة القمر المكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤)، وخرج رسول الله - ﷺ - من العريش يوم بدر وهو يتلو هذه الآيات، وأخبر - ﷺ - بمصارع القوم في بدر وقال لأصحابه: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما جاوز رجل منهم
مصرعه (٥)، واخبر عن مقتل أمراء مؤتة قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم (٦).
٣ - ما وقع بعد وفاته - ﷺ - مما أخبر أنه سيقع فوقع كما أخبر فقد أخبر - ﷺ - عن فتح الحيرة، وبلاد فارس، وكثرة المال، ففي صحيح البخاري عن عدي بن حاتم قال: بينما أنا عند النبي - ﷺ - إِذ أتاه رجل فشكا إِليه فاقة، ثم أتاه آخر فشكا إِليه قطع السبيل، فقال: يا عدي بن حاتم: هل رأيت الحيرة؟ فقلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإِن طالت بك حياة: لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلا الله. قلت: - فيما بيني وبين نفسي -فأين دُعّارُ (٧) طيء الذين سَعَّروا البلاد؟. ولئن طالت بك حياة: لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز!! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك
_________________
(١) سنن ابن ماجة، ح رقم: ٤٠٢٨ وقال في الزوائد إِسناده صحيح.
(٢) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ص ٥١٩.
(٣) صحيح البخاري، ح رقم ٣٦٣٦ - ٣٦٣٨ وصحيح مسلم، ح رقم ٢٨٠٠ - ٢٨٠٣.
(٤) سورة القمر، الآيات: ٤٤ - ٤٥.
(٥) صحيح البخاري، ح رقم: ٤٨٧٦.
(٦) المصدر نفسه، ح رقم: ٤٢٦٢
(٧) دعار: جمع داعر، والداعر: الخبيث المفسد، والمراد هنا قطاع الطريق (النهاية في غريب الحديث والأثر مادة: دعر ٢/ ١١٩.
[ ٣٦ ]
حياة: لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبن الله ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أرسل إِليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إِلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إِلا جهنم. قال عدي: سمعت الرسول - ﷺ - يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إِلا الله.
وكنت في من افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم - ﷺ - يخرج ملء كفه (١).
ومن ذلك:
إِخباره أن ابنته فاطمة هي أول أهله لحاقًا به (٢)، فوقع الأمر كما أخبر.
وإخباره أن زينب بنت جحش هي أسرع زوجاته لحاقًا به (٣)، فوقع الأمر كذلك.
وإِخباره بقتل عمار - ﵁ - (٤)، وبصلح الحسن مع معاوية - ﵁ - (٥).
وإِخباره بتقليد طائفة من أمته أعداء الإِسلام حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم (٦). وإِخباره بتنافس أمته في الدنيا حتى أهلكتهم وفرقتهم (٧).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ح رقم ٣٥٩٥ وانظر: (فتح الباري ٦/ ٦١٠).
(٢) صحيح البخاري، ح رقم ٣٦٢٦.
(٣) صحيح مسلم، ح رقم: ٢٤٥٢.
(٤) صحيح البخاري، ح رقم: ٤٤٧، وصحيح مسلم، ح رقم: ٢٩١٦.
(٥) صحيح البخاري، ح رقم: ٢٧٠٤.
(٦) المصدر نفسه، ح رقم ٧٣١٩ و٧٣٢٠.
(٧) المصدر نفسه، ح رقم: ٦٤٢٥ و٦٤٢٦ وصحيح مسلم: ح ١٠٥٢.
[ ٣٧ ]
وإِخباره ببشارة عظيمة لهذه الأمة وهي: بقاء طائفة منصورة على الحق إِلى قيام الساعة (١).
٤ - ما لم يقع حتى الآن ولكنه أخبر بوقوعه مستقبلا، ومن ذلك أشراط الساعة التي أخبر بوقوعها ولم تقع حتى الآن، وكذا عود الجزيرة العربية مروجًا وأنهارًا، وخراب الكعبة، وخراب المدينة، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وخروج الدجال، ونزول عيسى - ﵇ -، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة، بالمشرق، والمغرب، وجزيرة العرب، وخروج الدابة، وكلام السباع والجمادات للإِنس (٢). وقد أخبر - ﷺ - عن فتح القسطنطينية، وروما. كما في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، عن أبي قبيل قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ قال: فدعا عبد الله بصندوق له حَلَق فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله - ﷺ - نكتب إِذْ سئل رسول الله - ﷺ -: أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: رسول الله - ﷺ - مدينة هرقل تفتح أولًا" يعني القسطنطينية (٣).
وقد تحقق الفتح الأول للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمَّد الفاتح سنة ٨٥٧ هـ (٤). الموافق ١٤٥٣م، وبذلك تحقق الشطر الأول من الحديث، أما الشطر الثاني وهو الإِخبار عن فتح روما فلم يقع حتى الآن، وسيقع بحول الله كما أخبر الصادق المصدوق - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح البخاري، ح رقم: ٣٦٤٠ و٣٦٤١.
(٢) انظر: يوسف الوابل، أشراط الساعة، ص ٢١٠، ٢٠٤، ٢٢٥، ٢٣١، ٢٧٧، ٣٤٧، ٣٧١، ٣٨١.
(٣) مسند الإِمام أحمد ٢/ ١٧٦ ومستدرك الحاكم ٣/ ٤٢٢، ٤/ ٥٠٨ وقال: صحيح الإِسناد، ووافقه الذهبي، وقد صححه العلامة الألباني، في السلسلة الصحيحة ح رقم: ٤.
(٤) انظر: المنح الرحمانية في الدولة العثمانية، لابن أبي السرور الصديقي ص ٣٩.
[ ٣٨ ]