لقد كان لقاء الملك برسول الله - ﷺ - شديدًا عليه رغم الممهدات السابقة من سماع الصوت، وتسليم الحجر، والرؤيا الصادقة الواضحة، إِنه أمر عظيم وجليل أن يتلقى القلب البشري كلام الله الخالق بواسطة المَلَكُ العظيم، رجف له فؤاد رسول الله - ﷺ - وارتاع حتى طلب من أهله أن يُزَمِّلُوه ويُدَثِّروه حتى يذهب عنه الرَّوع، وكانت طريقة جبريل معه في أول لقاء فيها شدة وجهد ليبين له عظمة الأمر وضخامة المسؤولية والشدة التي سيلاقيها في نشر الدعوة، فهي من الإِعداد له - ﷺ - والتهيئة النفسية. قال ابن عباس ﵄: كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال:
_________________
(١) سورة العلق، آية ١ - ٥.
(٢) صحيح البخاري كتاب بدء الوحي، ح رقم (٣).
(٣) صالح الشامي، من معين السيرة، ص (٣٠). والآية من سورة الأعراف: (١٥٧).
[ ٩٨ ]
جَمعَة لك في صدرك وتقرَأَه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إِن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله - ﷺ - إِذا أتاه جبريل استمع، فإِذا انطلق جبريل قرأه النبي - ﷺ - كما كان قرأ (١).
وتقول عائشة - ﵂ -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإِن جبينه ليتفصد عرقًا" (٢).
وقد وقفت خديجة - ﵂ - مع رسول الله موقفًا جليلًا فكانت تهَدّي من روعه، وتثبت له بالدليل بعد الآخر أن الذي جاءه هو الحق من ربه، وأن الله لا يخزيه لما فيه من خصال الخير والبر والمعروف فقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُّكسبِ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به - ﷺ - حتى أتت به رجلًا من أهل العلم، هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى -ابن عم لها- وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، وقد تنصر في الجاهلية، وكان -قبل ذهاب بصره- يكتب الكتاب العبراني، فكان يكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نَزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا، إِذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إِلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرا. ثم لم ينشب -أي يلبث- ورقة أن توفي، وفتر الوحي (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، ح رقم (٥) (والآيتان من سورة القيامة: ١٦ - ١٧).
(٢) المصدر نفسه، ح (٢).
(٣) المصدر نفسه، ح رقم (٣).
[ ٩٩ ]
وذكر ابن إِسحاق في السيرة (١)، رواية منقطعة أن خديجة -﵂ - قالت لرسول الله - ﷺ -: أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إِذا جاءك؟ قال: فعم، قالت: فإِذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل، فقال لخديجة: هذا جبريل قد جاء، قالت، قم فاجلس على فخذي، فقام رسول الله فجلس عليها، قالت، هل تراه؟ قال نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول رسول الله وجلس في حجرها، فقالت. هل تراه؟ قال: نعم، ثم إِن خديجة حسرت عن رأسها وألقت خمارها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم أثبت وأبشر، فوالله إِنه ملك وما هذا بشيطان.
فهذه القصة -مع غيرها- إِن ثبتت فهىِ مما يوضح رجحان عقل خديجة -﵄واجتهادها في تثبيت رسول الله بالدليل بعد الآخر حتى تهدأ نفسه وتحصل له الطمأنينة.