فتر الوحي كما في رواية البخاري ليعطي فرصة لرسول الله - ﷺ - ليتأمل وتهدأ نفسه وتستطيع تحمل تكاليف الرسالة والنبوة، ثم إِنه - ﷺ - اشتاق لعودة الوحي واستمراره وكان يترقب ذلك.
ففي الصحيحين من حديث جابر -﵁ - قال: سمعت رسول الله -ﷺ - يتحدث عن فترة الوحى، قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء فإِذا الملك الذي جاءنى بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيث منه فرقًا حتى هويت إلى الأرضّ، فجئت أهلي فقلت: زملوني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: قال: ثم حمي الوحي وتتابع (٢).
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ ويذكر رواية أخرج لكن فيها انقطاع كذلك.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، ح ٤، وصحيح مسلم، في الإيمان، ح رقم (١٦١). سورة المدَّثر، آية ١ - ٥
[ ١٠٠ ]
فهذه الرواية تحدد بدء الرسالة والأمر بالبلاغ والدعوة والنذارة بعد النبوة، لكن من غير إِعلان للعامهّ، فإِن أول ما أوحى إِليه ربه أن يمقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك نبوته - ﷺ - فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبلبيع، ثم أنزل. الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فنبأه باقوأ وأرسله بيا أيها المدثر.
وأما مدة فترة الوحى فقد اختلفت أقوال العلماء فمها، فحكى بعضهم أنها سنتان ونصف، وقال آخرون، إِنها ستة أشهر، وعن ابن عباس أنها أربعون يومًا (١)، (وهو الراجح) ويفسر الحافظ ابن حجر معنى فترة الوحي: بأنها تأخر نزول القرآن، أما جبريل فكان يأتيه ولم ينقطع عنه (٢). ويذكر ابن كثير فترة أخرى وهي ليالي يسيرة، ونزلت بعدها سورة والضحى (٣).