عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ -: "لقَدْ أُخِفْتُ في اللهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في اللهِ، ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَت عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بينِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذو كَبِدٍ، إلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ" (٥).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية ١/ ٢٦٩.
(٢) سورة القصص، الآية ٦٨.
(٣) أخرج البخاري في المناقب، باب قصة أبي طالب ح (٣٨٨٢) عن العباس بن عبد المطلب -﵁ -، قال للنبي: - ﷺ - ما أغنيت عن عمّك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". وهذه بسبب نصرته لرسول الله - ﷺ - وحياطته له.
(٤) زاد المعاد (٣/ ٢٢).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٢٠)، والترمذي في صفة القيامة والرقائق ح (٢٤٧٢)، وابن ماجه في المقدمة، باب في فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ح (١٥١)، وقال الترمذيّ: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١٠٥ ]
وعن عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - ﷺ -. قال: بينا النبيّ - ﷺ - يصلي في حجر الكعبة؛ إِذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي - ﷺ -، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله الآية﴾ (١).
وغضب أبو جهل من صلاة النبيّ - ﷺ - عند الكعبة علنًا، فقال: هل يُعفِّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قيل: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفِّرنّ وجهَه. فأتى رسول الله - ﷺوهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إِلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إِنّ بيني وبينه لخندقًا من نار. فقال رسول الله - ﷺ -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (٢).
لقد كان النبيّ - ﷺوهو يعيش في هذه الأجواء التي تتصاعد منها أبخرة الكراهية والحقد والغلّ، يشعرنا أنّ الذي كان يهيمن عليه أثناءها إنما هو التفكير في دعوته وبذل كل الطاقة لنشرها، محاولًا الوصول إِلى قلوب الناس، وبذلك كان - ﷺ - أنموذجًا لأصحابه رضوان الله عليهم في الصبر والتحمّل في ذات الله تعالى.