وماتت بعد أبي طالب، خديجة - ﵂ - التي كانت وزير صدق على الإِسلام، وكان - ﷺ - يسكن إِليها، وهي أول من أسلم.
وتوفيت - ﵂ - بمكة، ودفنت بالحجون، وعاشت خمسًا وستين سنة، قضت منها أربعًا وعشرين سنة مع النبيّ - ﷺ - (٥).
قالت عائشة - ﵂ -: (ما غِرتُ على امرأة ما غرت على خديجة، ممّا كنتُ أسمع من ذكر رسول الله - ﷺ - لها، وما تزوّجني إِلا بعد موتها بثلاث سنين (٦).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٧/ ١٩٤.
(٢) ابن كثير، السيرة النبوية ١/ ٤٦٤.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٤٨٨ ومعنى: نبزى: نُسلب ونُغلب
(٤) السيرة النبوية للذهبي ١/ ١٩٣.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) أخرجه البخاري في المناقب، باب توزيج النبيّ - ﷺ - خديجة ح (٣٨١٧)، ومسلم في فضائل الصحابة ح (٢٤٣٥).
[ ١٢٨ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبيّ - ﷺ -، فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إِناءٌ فيه إِدام -أو طعام، أو شراب- فإِذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشِّرْها ببيتٍ في الجنّة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" (١).
قال السهيلي: وإِنّما بشّرها ببيت في الجنّة من قصب، أي: لؤلؤ؛ لأنّها حازت قصب السَّبْق إِلى الإِيمان. لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي - ﷺ -، ولم تُتْعبه يومًا من الدهر، فلم تصخب عليه يومًا، ولا آذته أبدًا (٢).
وكان النبيّ - ﷺ - على بعد عهده بها، لا يزال يذكر صوتها، قالت عائشة - ﵂ -: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - ﷺ -، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك (٣)، فقال: "اللهم هالة بنت خويلد". فغرتُ، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها (٤).
فقال النبيّ - ﷺ -: "ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنتْ بي إِذ كفر بي الناس، وصدَّقتني إِذ كذبني الناس، وواستني بمالها إِذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إِذ حرمني أولاد النساء" (٥).
وقال البيهقيّ: (بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام، ذكره أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ) (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المناقب، باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة ح (٣٨٢١).
(٢) الروض الأنف ٢/ ٤٢٥، ٤٢٦.
(٣) قال النووى: (أي: هَشّ لمجيئها، وسُرّ بها لتذكره بها خديجة وأيامها. وفي هذا كله: دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب).
(٤) أخرجه مسلم في مناقب الصحابة ح (٢٤٣٧)، وعلَّقه البخاري في المناقب؛ باب تزويج النبيّ - ﷺ - خديجة.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١١٧، ١١٨)، قال الهيثمي (الجمع ٩/ ٢٢٤): (إِسناده حسن)، وصحح الأرنؤوط إِسناده في تحقيقه للمسند (٤١/ ٣٥٦).
(٦) دلائل النبوة (٢/ ٣٥٢، ٣٥٣).
[ ١٢٩ ]
ومع فقده - ﷺ - لهذين الحاميين، إِلَّا أنّه لم يضعف وقريش تكشر له عن أنيابها، ولم يتراجع عن دعوته، بل امتدت دعوته إِلى خارج مكة، وشرع يبحث عن أرض أخرى تقبل دعوته، وتنصر دين الله تعالى.