في سن الأربعين أوحي إلى نبينا محمد - ﷺ -، فنزل عليه الوحي في غار حراء بالرسالة السماوية الخالدة.
٤٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أنزل على النبي - ﷺ - وهو ابن أربعين، وكان بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا، فمات وهو ابن ثلاث وستين" (١).
٤٨ - ومن حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال لخديجة ﵂: (إني أرى ضوءًا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنون).
قالت: "لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله: ثم أتت ورقة بن نوفل، فذكرت ذلك له فقال: "إن يكن صادقًا فإنَّ هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعزره، وأنصره، وأؤمن به" (٢).
٤٩ - ومن حديث عائشة - ﵂ - قالت: "أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣)، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه "وهو تعبد الليالي ذوات العدد" قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى
_________________
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - والصحابة إلى المدينة، رقم: ٣٩٠٢، فتح الباري: ٧/ ٢٢٧، ومسلم في كتاب الفضائل، باب كم أقام النبي - ﷺ - بمكة رقم: ٢٣٥١، وأحمد في المسند، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٠٩، وانظر شرح السنة للبغوي: ٣٧٣٣.
(٢) رواه أحمد في المسند: ١/ ٣١٢، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٥٥: رواه أحمد متصلًا ومرسلًا، والطبراني بنحوه، وزاد: ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر برقم: ٢٨٤٦.
(٣) فلق الصبح: ضياء الصبح، وهذا يقال في الشيء الواضح البين.
[ ٤٩ ]
خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء.
فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (١) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٢) فرجع بها رسول الله - ﷺ - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني (٣)، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع (٤)، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ (٥)، وتكسب المعدوم (٦)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (٧)، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى: فقال له ورقة: هذا الناموس (٨) الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا (٩)، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا (١٠)، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي".
_________________
(١) غطني: عصرني وضمني، الجهد: المشقة.
(٢) (العلق: ١ - ٣).
(٣) زملوني: غطوني بالثياب ولفوني بها.
(٤) الفزع: الخوف.
(٥) تحمل الكل: تنفق على الضعيف واليتيم والعيال، والكل: أصله الثقل والإعياء.
(٦) تكسب المعدوم: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق.
(٧) تعين على نوائب الحق: أنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل.
(٨) الناموس: هو جبريل - ﵇ -، ومعنى الناموس: صاحب سر الخير.
(٩) الجذع: الشاب القوي.
(١٠) نصرًا مؤزرًا: قويًّا بالغًا.
[ ٥٠ ]