٦ - عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: "أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: "يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بِفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا" (١).
٧ - ومن حديث كعب الأحبار قال: "إني أجد في التوراة مكتوبًا: محمَّد رسول الله، لا فظ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبِّرونه على كل نجد، يأتزرون إلى أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، صفُّهم في الصلاة، وصفُّهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع في الأسواق: ٢١٢٥، وفي التفسير حديث: ٤٨٣٨، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب المفرد حديث: ٢٤٦، ٢٤٧، والبيهقي في دلائل النبوة: ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥، من طريق هلال بن علي، عن عطاء بن يسار. حرزًا للأميين: حافظًا لهم، والسخاب: رفع الصوت بالخصام. حتى يقيم به الملة العوجاء: ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها.
(٢) أخرجه الدارمي في المقدمة: ١/ ٤ - ٥ من طريق الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب: ورجاله ثقات، وجاء في دلائل النبوة للبيهقي: ١/ ٣٧٧، عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الأحبار -وذكر شبيهًا بهذا البيهقي وقد جاء عند الدارمي: ١/ ٦، من طريق معاوية بن صالح عن أبي فروة، عن ابن عباس، أنه سأل كعب الأحبار.
[ ٢٢ ]
٨ - ومن حديث سلمة بن سلامة بن وقش ﵁: وكان من أصحاب بدر قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي - ﷺ - بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا عليَّ بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، وَلوَدَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه، فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا.
قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ -وأنا من أحدثهم سنًّا- فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه".
قال سلمة: "فوالله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله تعالى رسوله - ﷺ -، وهو حيٌّ بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى: وليس به" (١).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٢١٢ من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عرف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة به، فصرح ابن إسحاق بالتحديث فانتفت شبهة التدليس". ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٧، والطبراني في الكبير حديث: ٦٣٢٧، والبخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ٢ / ٦٨ - ٦٩، وأبو نعيم في الدلائل:١٩١، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٤١٧ - ٤١٨، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٧٨ - ٧٩ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٣٠. رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع". فالحديث صحيح. يأسها من بعد إنكاسها: يأسها من الاستماع في السماع، أو استراق السمع بعد أن كانت قد ألفته، فانقلبت عن الاستراق، وقد يئست من السماع. القلاص: جمع قلوص: وهي الفيتة من النياق. جليح: الوقح المكافح بالعداوة.
[ ٢٣ ]