رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ عُمَيْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بُرَّةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَنْ أَرْضَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُوَيْبَةُ بِلَبَنِ ابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَسْرُوحٌ أَيَّامًا قَبْلَ أَنْ تَقْدُمَ حَلِيمَةُ، وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّاوِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ:
أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ علي قال: قلت: يا رسول الله مالك لا تَنُوقُ فِي قُرَيْشٍ وَلا تَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «وِعِنْدَكَ» قُلْتُ: نَعَمْ، ابْنَةُ حَمْزَةَ، قَالَ: «تِلْكَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» .
قَرَأْتُ عَلَى أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الْهِيتِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيونَ، أَخْبَرَكَ أَبُو نَصْرٍ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ أحمد بن البناء قال: أنا أبو نصر محمد بن محمد الزيني قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، ثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةَ قَالَ: أَنَا اللَّيْثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَلْ لَكَ في أختي ابنة بي سفيان؟ وفيه قالت: فو الله لَقَدْ أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «ابْنَةُ
[ ١ / ٤٠ ]
أبي سلمة» قالت: نعم، قال: «فو الله لو لم تكن ربيتني فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةُ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ» [١] الحديث.
وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ أَنَّ حَمْزَةَ أَسَنُّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَحَكَى أَبُو عُمَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ: وَهَذَا لا يَصْلُحُ عِنْدِي، لأَنَّ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ أَنَّ حَمْزَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ أَرْضَعَتْهُمَا ثُوَيْبَةُ مَعَ رسول الله ﷺ، إلا أَنْ تَكُونَ أَرْضَعَتْهُمَا فِي زَمَانَيْنِ. قُلْتُ: وَأَقْرَبُ من هذا ما روينا عن ابن إسحق مِنْ طَرِيقِ الْبَكَّائِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَرْضَعَ لَهُ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَكَانَتْ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا [٢] وَابْنٍ لَهَا [٣] تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَتْ: وَفِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ [٤] لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [٥]، مَعَنَا شَارِفٌ [٦] لَنَا، وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ [٧] بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ، مَا فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَلَكِنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ [٨] بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ، فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إِلَّا أَخَذَتْ رضيعا غيري، فلما أجمعنا
_________________
(١) [(١)] انظر كنز العمال (٦/ ٢٨٣) رقم ١٥٧٢٥، وفيه: قال عروة: وكانت ثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت رسول الله ﷺ، فلما رآه بعض أهله في النوم فقال: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم راحة، غير أن سقيت في هذه مني بعتقي ثويبة، وأشار إلى النقرة التي تلي الإبهام والتي تليها. [(٢)] وهو الحارث بن عبد العزي بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هوازن. [(٣)] يقال أن اسمه عبد الله بن الحارث. [(٤)] أي ذات قحط وجدب. [(٥)] الأتان: الحمارة، والقمرة: شدة البياض أو البياض المائل إلى الخضرة. [(٦)] الشارف: الناقة المسنة. [(٧)] يقال: بض الماء بضا وبضوضا أي رشح. [(٨)] أي تأخرت بالركب من الإعياء.
[ ١ / ٤١ ]
الانْطِلاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاللَّهِ إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلآخُذَنَّهُ، قَالَ: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا أَخَذْتُهُ رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، وَشَرِبَ حَتَّى رُوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ، ثُمَ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا أَنَّهَا الْحَافِلُ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشَبَعًا فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعْلَمِي وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَرَكِبْتُ أَتَانِي وَحَمَلْتُهُ عليها معي، فو الله لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى أَنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَيْحَكِ أَرْبِعِي [١] عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هذا أَتَانُكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا، فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهَا لَهِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا، قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَلا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَى حِينِ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لَبَنًا فَنَحْلِبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمُ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لَبَنًا، فَلَمْ يَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلامًا جَفْرًا [٢] فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لما ترى مِنْ بَرَكَتِهِ، فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ وَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يَغْلُظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ، فَلَمْ نَزَلْ بِهِ حَتَّى ردته معنا، فرجعنا به، فو الله إِنَّهُ بَعْدَ مَقْدَمِنَا بِهِ بِأَشْهُرٍ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بُهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ فَقَالَ لِي وَلأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا منتقعا لوجهه،
قال: فالتزمنه والتزمه أبوه، فقلنا: مالك يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بيض فأضجعاني فشقا
_________________
(١) [(١)] أي اشفقي أو ارفقي بنا. [(٢)] أي قوي على الأكل واستغنى عن لبن أمه.
[ ١ / ٤٢ ]
بَطْنِي، فَالْتَمَسَا فِيهِ شَيْئًا لا أَدْرِي مَا هُوَ،
قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ إِلَى خِيَامِنَا، وَقَالَ لِي أَبُوهُ:
يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ: مَا أَقْدَمَكِ بِهِ يَا ظِئْرُ [١] . وَلَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكِ، قُلْتُ: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ الأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ عَلَيْكِ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكِ، فَأَصْدِقِينِي خَبَرَكِ، قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا، قَالَتْ: أَفَتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَتْ: كَلا وَاللَّهِ، مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وإن لبني لشأنا، أَفَلا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ؟
قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثم حملت به، فو الله مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ وَلا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لِوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.
قَالَ السُّهَيْلِيّ: وذكر غير ابن إسحق فِي حَدِيثِ الرَّضَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لا يُقْبِلُ إِلَّا عَلَى ثَدْيِهَا الْوَاحِدِ، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِ الآخَرَ فَيَأْبَاهُ، كَأَنَّهُ قَدْ أَشْعَرَ أَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا فِي لِبَانِهَا، وَكَانَ مَفْطُورًا عَلَى الْعَدْلِ، مَجْبُولا عَلَى جَمِيلِ الْمُشَارَكَةِ وَالْفَضْلِ ﷺ.
وَيُرْوَى أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بُهْمًا لَنَا أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، فَأَخَذَانِي فَشَقَّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قلبي فسقاه، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلا قَلْبِي وَبَاطِنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لَوَزَنَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ:
فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّم. وَفِيهَا: وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ كما هو الآن.
_________________
(١) [(١)] الظئر: المرضعة لولد غيرها.
[ ١ / ٤٣ ]
قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدِّيهِ، قِيلَ: بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْغَدَاءِ، وَقِيلَ: بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهُوَ أَتَمُّ مِنَ الاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَدَاءِ دُونَ الْعَشَاءِ. وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ يُعْذِبُهُ وَمَعْنَاهُ مَا يُقْنِعُهُ حَتَّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَنْقَطِعُ عَنِ الرَّضَاعِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَذَبْتُهُ وَأَعْذَبْتُهُ إِذَا قَطَعْتُهُ عَنِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْعَذُوبُ وَجَمْعُهُ عُذُوبٌ بِالضَّمِّ، وَلا يُعْرَفُ فَعُولٌ جُمِعَ عَلَى فُعُولٍ غَيْرَهُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ انْتَهَى كَلامُ السُّهَيْلِيِّ ﵀.
وَأَنْشَدَنِي أَبِي ﵀ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَهْجُو قَوْمًا بَاتَ ضَيْفَهُمْ:
بِتْنَا عُذُوبًا وَبَاتَ الْبَقُّ يَلْبَسُنَا نَشْوِي الْقَرَاحَ كَأَنْ لا حَيَّ بِالْوَادِي
وَذَكَرَ فِي فُعُولٍ غَيْرَ عُذُوبٍ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ (كِتَابٍ لَيْسَ) لابْنِ خَالوَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: أَدمتْ بِالرَّكْبِ حَبَسْتُهُمْ، وَكَأَنَّهُ مِنَ الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ الْوَاقِفُ. وَيُرْوَى أَذمتْ أَيْ الأَتَانُ أَيْ جَاءَتْ بِمَا تذمُّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ ذَمَّةٌ أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ:
يَسُوطَانِهِ، يُقَالُ: سُطْتُ اللَّبَنَ أَوِ الدَّمَ أَوْ غَيْرَهُمَا أَسُوطُهُ إِذَا ضَرَبْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالْمُسَوِّطُ عُودٌ يُضْرَبُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: مَغْمَز الشَّيْطَانِ، هُوَ الَّذِي يَغْمِزُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ كُلِّ مَوْلُودٍ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مريم وأمه لقول أمها حنة: إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [١] وَلأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيِّ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا خُلِقَ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلا يَدُلُّ هَذَا عَلَى فَضْلِهِ ﵇ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لأنه محمدا عند ما نُزِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّهُ غُسِلَ قَلْبُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَوَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَوَى ذَلِكَ ذاهبا في ذلك إلى أنها واقعة واحدة مُتَقَدِّمَةُ التَّارِيخِ عَلَى لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ بِكَثِيرٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ هَذَا التَّقْدِيسُ وَهَذَا التَّطْهِيرُ مَرَّتَيْنِ: الأُولَى فِي حَالِ الطُّفُولِيَّةِ، لِيُنَقِّيَ قَلْبَهُ مِنْ مَغْمَزِ الشَّيْطَانِ، وَالثَّانِيَةُ: عند ما أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَلِيُصَلِّيَ بِمَلائِكَةِ السَّمَوَاتِ، وَمَنْ شَأْنِ الصَّلاةِ الطَّهُورُ، فَقُدِّسَ
_________________
(١) [(١)] سورة آل عمران: الآية ٣٦.
[ ١ / ٤٤ ]
بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَمُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا [١] .
رَجْعٌ إِلَى الأَوَّلِ: وَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ: وَكَانَتْ حَلِيمَةُ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ مَكَّةَ لا تَدَعُهُ أَنْ يَذْهَبَ مَكَانًا بَعِيدًا، فَغَفَلَتْ عَنْهُ يَوْمًا فِي الظَّهِيرَةِ، فَخَرَجَتْ تَطْلُبُهُ حَتَّى تَجِدَهُ مَعَ أُخْتِهِ، فَقَالَتْ: فِي هَذَا الْحَرِّ؟ فَقَالَتْ أُخْتُهُ: يَا أُمَّهْ، مَا وَجَدَ أَخِي حَرًّا، رَأَيْتُ غَمَامَةً تُظِلُّ عَلَيْهِ، إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ، وَإِذَا سَارَ سَارَتْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، تَقُولُ أُمُّهَا: أَحَقًّا يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: إِي وَاللَّهِ قَالَ: تَقُولُ حَلِيمَةُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا نَحْذَرُ عَلَى ابْنِي، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: رَجَعَ إِلَى أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: رُدَّ إليها وهو ابن أربع سنين، وهذا كله عن الواقدي. وقال أبو عمر: ردته ظئره حليمة إلى أمه بعد خمس سِنِينَ وَيَوْمَيْنِ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ عَامِ الْفِيلِ، وَأَسْلَمَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شجنة بن جابر بن رزام بن ناضرة بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَتْ حَلِيمَةُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ،
قُرِئَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصُّوفِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ: سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ سنة خمس وستمائة قَالَ: أَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ قَالَ: أنا أبو علي نصر الله بن أحمد بْنِ عُثْمَانَ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَيْدَانِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَ: أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ.
هَكَذَا رُوِّينَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَكَذَا حَكَى أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ أنها أسلمت
_________________
(١) [(١)] سورة المدثر: الآية ٣١.
[ ١ / ٤٥ ]
وَرَوَتْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ وَفَدَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ تَشْكُو إِلَيْهِ السَّنَةَ [١]، وَأَنَّ قَوْمَهَا قَدْ أَسْنَتُوا، فَكَلَّمَ لَهَا خَدِيجَةَ فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ رَأْسًا مِنْ غَنَمٍ وَبَكَرَاتٍ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الأرمين فِي اسْتِدْرَاكِهِ عَلَى أَبِي عُمَرَ خَوْلَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ خِدَاشٍ الَّتِي أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِنَّ أَيْضًا أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَة حاضنته ﵇.
_________________
(١) [(١)] أي الجدب والقحط.
[ ١ / ٤٦ ]