رُوِّينَا عَنِ الدَّوْلابِيِّ، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدم الْعِجْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلاءِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي ﷺ، قَالَ: وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إسحق قَالَ: ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مُصِيبَتَانِ: هَلاكُ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ هَلاكُهُمَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مُهَاجِرِهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.
وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا،
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» . قَالَ: وَلَمَّا اشتكى أبو طالب وبلغ قريش ثِقَلُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلَقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَنْتَبِزُونَا أَمْرَنَا، فَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَكَلَّمُوهُ
[ ١ / ١٥١ ]
وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا يَا أَبَا طَالِبٍ: إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ وَخُذْ لَهُ مِنَّا وَخُذْ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليد عنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أَخِي هَؤُلاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُعْطُوكَ وَلْيَأْخُذُوا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تُعْطُونِيهَا وَتَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ وَأَبِيكَ وَعَشْرُ كَلِمَاتٍ، قال:
«تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ» قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بمعطيكم شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبائكم حتى يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: والله يا ابن أَخِي مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَحَطًا [١]، فَلَمَّا قَالَهَا طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: «أَيّ عَمِّ فَأَنْتَ فقلها استحل لك به الشفاعة يوم القيامة، فلما رأى حرص رسول الله ﷺ عليه قال له: يا ابن أَخِي وَاللَّهِ لَوْلا مَخَافَةُ السَّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُهَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ لَقُلْتُهَا لا أقولها إلا لأسرك بها، فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ نَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَأَصْغَى إِلَيْهِ بِأُذُنِهِ فقال: يا ابن أخي والله لقد قال أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ بَقْوِلَها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ «لَمْ أَسْمَعْ» . كَذَا في رواية ابن إسحق أَنَّهُ أَسْلَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْلَمَا أَيْضًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمَا لَهُ فَآمَنَا بِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضا فِي حَقِّ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهِيَ رِوَايَاتٌ لا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا
رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فوجد عنده أبا جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يَا عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالب أترغب عن ملة
_________________
(١) [(١)] وعند ابن هشام: شططا.
[ ١ / ١٥٢ ]
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعرضها عليه ويعيدان لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلَّا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [١] وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [٢] [٣] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَفِيهِ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حمله على ذلك الخرع [٤] لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ [٥] مِنَ النار» .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ»
وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ [٦] بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَبِي ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، ثنا شعبة عن أبي إسحق قَالَ: سَمِعْتُ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «اذْهَبْ فَوَارِهِ» فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: «اغْتَسِلْ»
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ سَعَادَةَ الرُّصَافِيُّ قَالَ: أَنَا هِبَةُ الله بن محمد الشيباني قال: أنا الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد، ثنا
_________________
(١) [(١)] سورة التوبة: الآية ١١٣. [(٢)] سورة القصص: الآية ٥٦. [(٣)] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (١/ ٥٤) رقم ٢٤. [(٤)] أي الضعف. [(٥)] الضحضاح: مارق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، وأستعير في النار. [(٦)] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (١/ ١٩٥) رقم ٢١٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَمِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أُمِّي؟ قَالَ: «أُمُّكَ فِي النَّارِ، قَالَ: قُلْتُ: أَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ مَعَ أُمِّي»
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: الصَّوَابُ حُدُسٌ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ رَاقِيًا فِي الْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ صَاعِدًا فِي الدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ، إِلَى أَنْ قَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ الطَّاهِرَةَ إِلَيْهِ، وَأَزْلَفَهُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ لَدَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ حِينَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَرَجَةً حُصِّلَتْ لَهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَأَنْ يَكُونَ الإحياء وَالإِيمَانُ مُتَأَخِّرًا عَنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَلا تُعَارَضُ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: شَهَادَةُ الْعَبَّاسِ لأَبِي طَالِبٍ لَوْ أَدَّاهَا بَعْدَ مَا أَسْلَمَ كَانَتْ مَقْبُولَةً، لأَنَّ الْعَدْلَ إِذَا قَالَ سَمِعْتُ، وَقَالَ مَنْ هُوَ أعدل منه لم أسمع أخذا بِقَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ السَّمَاعَ، وَلَكِنَّ الْعَبَّاسَ شَهِدَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. قُلْتُ: قَدْ أَسْلَمَ الْعَبَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ بِقِرَاءَةِ أَبِي عَلَيْهِ،
وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ غَازِي بْنِ أَبِي الْفَضْلِ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصِ بن طبرزذ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قال: سمعت عبد الله بن الحرث بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحْفَظُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَاكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ» .
صَحِيحُ الإِسْنَادِ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ لأَدَّاهَا بَعْدَ إِسْلامِهِ، وَعَلِمَ حَالَ أَبِي طَالِبٍ وَلَمْ يَسْأَلْ، وَالْمُعْتَبر حَالَة الأَدَاءِ دون التحمل. وفيما ذكره السهيلي أن الحرث بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَدِمَ عَلَى رسول الله ﷺ مكة فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ مِنْ طريق يونس بن بكير عن ابن إسحق عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بن بكر.
[ ١ / ١٥٤ ]