وَفِيه مسَائِل
الأولى الزَّكَاة فَإِنَّهَا حرَام عَلَيْهِ وشاركه فِي ذَلِك ذَوُو الْقُرْبَى بِسَبَبِهِ أَيْضا فالخاصية عَائِدَة إِلَيْهِ فَإِنَّهَا أوساخ النَّاس كَمَا أخرجه مُسلم ومنصبه منزه عَن ذَلِك وَهِي أَيْضا تُعْطى على سَبِيل الترحم المنبئ عَن ذل الْآخِذ
فأبدلوا عَنْهَا بِالْغَنِيمَةِ الْمَأْخُوذَة بطرِيق الْعِزّ والشرف المنبئ عَن عز الْآخِذ وذل الْمَأْخُوذ مِنْهُ
[ ١٢٥ ]
قد اخْتلف عُلَمَاء السّلف أَن الْأَنْبِيَاء تشاركه فِي ذَلِك أم يخْتَص بِهِ دونهم فَقَالَ بِالْأولِ الْحسن الْبَصْرِيّ وَبِالثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة
وَأما صَدَقَة التَّطَوُّع فَفِي تحريهما عَلَيْهِ وعَلى آله أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا نعم
وَثَانِيها لَا وَإِنَّمَا كَانَ ﵊ يمْنَع عَنْهَا ترفعا
وأصحها تحرم عَلَيْهِ دونهم
وَرَابِعهَا يحرم عَلَيْهِم الْخَاصَّة دون الْعَامَّة أَي كالمساجد ومياه الْآبَار
وَأبْدى الْمَاوَرْدِيّ وَجها اخْتَارَهُ إِن مَا كَانَ مِنْهَا أَمْوَالًا مُتَقَومَة كَانَت مُحرمَة عَلَيْهِ ﷺ دون مَا كَانَ مِنْهَا غير مُتَقَوّم فَتخرج صلواته فِي الْمَسَاجِد وشربه مَاء زَمْزَم وبئر رومة
وَحكى الرَّافِعِيّ هُنَا الْخلاف من وَجْهَيْن فَقَالَ وَمن الْمُحرمَات
[ ١٢٦ ]
الصَّدَقَة فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ على مَا سبق فِي قسم الصَّدقَات وَتبع فِي حِكَايَة الْخلاف كَذَلِك الإِمَام هُنَا والطبري صَاحب الْعدة
وَكَذَا حَكَاهُ الْعجلِيّ فِي شرح الْوَسِيط والجرجاني فِي الشافي
لَكِن الَّذِي سبق من كَلَام الرَّافِعِيّ فِي قسم الصَّدقَات أَن الْخلاف قَولَانِ وَهُوَ الصَّوَاب الْمَذْكُور فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ هُنَا وَفِي الرَّوْضَة أَيْضا
فقد قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْوَقْف إنَّهُمَا منصوصان فِي الْأُم
(فرع) حكى ابْن الصّلاح عَن أمالي أبي الْفرج السَّرخسِيّ أَن فِي صرف الْكَفَّارَة وَالنّذر إِلَى الْهَاشِمِي قَوْلَيْنِ وَالظَّاهِر جريانهما فِي المطلبي أَيْضا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ
[ ١٢٧ ]
الثَّانِيَة كَانَ ﷺ لَا يَأْكُل البصل والثوم والكراث وَمَا لَهُ رَائِحَة كريهة من الْبُقُول
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر أَنه ﷺ أُتِي بِقدر فِيهِ خضروات من الْبُقُول فَوجدَ لَهَا ريحًا فَسَأَلَ فَأخْبر من الْبُقُول فَقَالَ قربوها إِلَى بعض أَصْحَابه فَلَمَّا رَآهُ كره أكلهَا فَقَالَ (كل فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي)
وَهل كَانَ ذَلِك حَرَامًا عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ نعم كَيْلا يتَأَذَّى بِهِ الْملك
وأشبههما لَا وَإِنَّمَا كَانَ ﷺ يمْتَنع مِنْهُ ترفعا
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي أَيُّوب أحرام هُوَ قَالَ (لَا
[ ١٢٨ ]
وَلَكِنِّي أكرهه من أجل رِيحه)
قَالَ فَإِنِّي أكره مَا كرهت
قَالَ وَكَانَ النَّبِي ﷺ يُؤْتى - يَعْنِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل بِالْوَحْي -
وَهَذَا صَرِيح فِي نفي التَّحْرِيم وَإِثْبَات الْكَرَاهَة
وَفِي مُسْند أَحْمد وَسنَن أبي دَاوُد بِسَنَد صَالح من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا سُئِلت عَن أكل البصل فَقَالَت آخر طَعَام أكله رَسُول الله ﷺ فِيهِ بصل
وَلما ذكر ابْن الصّلاح حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ إِنَّه يبطل وَجه التَّحْرِيم اعْترض عَلَيْهِ صَاحب الْمطلب وَقَالَ فِيهِ نظر من جِهَة أَن حَدِيث أبي أَيُّوب كَانَ فِي ابْتِدَاء الْهِجْرَة وَالنَّهْي عَن أكل الثوم كَانَ عَام خَيْبَر كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه
قلت لَكِن فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي قصَّة خَيْبَر أَيْضا لكنه لما نهى عَن أكل الشَّجَرَة الخبيثة قَالَ النَّاس حرمت حرمت
فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لَيْسَ بِي تَحْرِيم مَا أحل الله لي وَلكم وَلكنهَا شَجَرَة أكره رِيحهَا)
[ ١٢٩ ]
الثَّالِثَة أَنه ﵊ كَانَ لَا يَأْكُل مُتكئا
فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي جُحَيْفَة ﵁ قَالَ كنت عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لرجل عِنْده (أَنا لَا آكل وَأَنا متكئ)
وَفِي شعب الْإِيمَان للبيهقي عَن يحيى بن أبي كثير أَنه ﵊ قَالَ آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد وأجلس كَمَا يجلس العَبْد فَإِنَّمَا أَنا عبد
وأسنده فِي دلائله وسننه من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَلَفظه (بل أكون عبدا نَبيا)
قَالَ فَمَا أكل بعد تِلْكَ الْكَلِمَة طَعَاما مُتكئا حَتَّى لَقِي الله
وَله طرق أوضحتها فِي تخريجي لأحاديث الرَّافِعِيّ فَرَاجعهَا مِنْهُ
وَهل كَانَ ذَلِك حَرَامًا عَلَيْهِ أَو مَكْرُوها كَمَا فِي حق الْأمة فِيهِ وَجْهَان
أشبههَا - كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ - الثَّانِي
وَجزم بِالْأولِ صَاحب التَّلْخِيص أَي لما فِيهِ من الْكبر وَالْعجب وَعلل الأول بِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيم
وَاجْتنَاب رَسُول الله ﷺ الشَّيْء واختياره غَيره لَا يدل على كَونه محرما عِنْده
[ ١٣٠ ]
إِذا تقرر ذَلِك
فَمَا المُرَاد بالمتكئ فِيهِ خلاف
قَالَ الْخطابِيّ المُرَاد بِهِ هُنَا الْجَالِس الْمُعْتَمد على وطاء تَحْتَهُ وَأقرهُ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه
وَأنْكرهُ عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ المُرَاد بِهِ المائل على جنب
وَأما صَاحب الشِّفَاء ففسره بِمَا قَالَه الْخطابِيّ ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ هُوَ الْميل على شقّ عِنْد الْمُحَقِّقين وَكَذَا قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه الْمُسْتَوْفى فِي أَسمَاء الْمُصْطَفى إِن الاتكاء فِي اللُّغَة هُوَ التَّمَكُّن فِي الْأكل
[ ١٣١ ]
الرَّابِعَة الْخط وَالشعر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تخطه بيمينك﴾ الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الْآيَة
وهما حرامان عَلَيْهِ
قَالَ الرَّافِعِيّ وَإِنَّمَا يتَّجه القَوْل بتحريمهما مِمَّن يَقُول إِنَّه كَانَ يحسنهما
وَقد اخْتلف فِيهِ فَقيل كَانَ يحسنهما وَيمْتَنع مِنْهُمَا وَالأَصَح أَنه كَانَ لَا يحسنهما
قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَلَا يمْتَنع تحريمهما وَإِن لم يحسنهما وَيكون المُرَاد تَحْرِيم التَّوَصُّل إِلَيْهِمَا وَتمسك الْقَائِل بِأَنَّهُ كَانَ يحسن الْكِتَابَة بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَنه ﵊ كتب هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله وَيُجَاب بِأَنَّهُ أَمر بهَا وَوَقع فِي أَطْرَاف ابي مَسْعُود الدِّمَشْقِي أَنه ﵊ أَخذ الْكتاب وَلَيْسَ يحسن أَن يكْتب فَكتب مَكَان رَسُول الله ﷺ مُحَمَّدًا وَكتب هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد
وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي
[ ١٣٢ ]
كتاب التَّنْوِير بعد أَن عزاها إِلَيْهِ وَهِي زِيَادَة مُنكرَة لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ
قَالَ وَذكر عمر بن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ أَنه ﵊ كتب يَوْم الْحُدَيْبِيَة بِيَدِهِ ومحى فِي قَوْله إِلَى أَنه قصد الْكتاب عَالما بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلم يُعلمهُ قبله وَأَن ذَلِك من معجزاته أَن يعلم الْكِتَابَة فِي وقته لِأَن ذَلِك خرق للْعَادَة
وَقَالَ بِهَذَا القَوْل بعض الْمُحدثين مِنْهُم أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَأَبُو الْفَتْح النَّيْسَابُورِي وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ وصنف فِي ذَلِك كتابا
[ ١٣٣ ]
وَقيل إِنَّه كتب فِي ذَلِك الْيَوْم غير عَالم بِالْكِتَابَةِ وَلَا مُمَيّز لحروفها لكنه أَخذ الْقَلَم بِيَدِهِ فَخط بِهِ مَا لم يميزه هُوَ فَإِذا هُوَ كتاب ظَاهر بَين على حسب المُرَاد
قَالَ وَذهب إِلَى ذَلِك القَاضِي أَبُو جَعْفَر السمناني الأصولي
قَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد كَانَ من أوكد معجزاته أَن يكْتب من غير تعلم
قَالَ ابْن دحْيَة وَهَذَا كُله لَيْسَ بِشَيْء
وَقد رد على القَاضِي أبي الْوَلِيد وَخَطأَهُ فِي جُزْء كَبِير ابْن مفوز الْعَالم ثمَّ حكى حِكَايَة عَظِيمَة فِي ذَلِك رُؤْيا
قلت وَحَدِيث مجَالد حَدثنِي عون بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ (مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى كتب وَقَرَأَ)
وهاه الْبَيْهَقِيّ أَنه حَدِيث مُنْقَطع وَفِي رُوَاته جمَاعَة من الضُّعَفَاء والمجهولين
[ ١٣٤ ]
قلت وَقد وَقع مثله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا﴾ الْآيَة
وَمَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ من الرجز كَقَوْلِه
(هَل أَنْت إِلَّا أصْبع دميت )
قَالَ الْأَخْفَش إِنَّه لَيْسَ بِشعر وَقيل إِنَّه ﵊ لم يَقْصِدهُ وَإِنَّمَا وَقع مرجزا وَلَا يُسمى شعرًا وَلَا قَائِله شَاعِرًا
[ ١٣٥ ]
قَالَ الْحَرْبِيّ وَلم يبلغنِي أَنه ﵊ أنْشد بَيْتا كَامِلا على رويه بل الصَّدْر كَقَوْل لبيد
(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل )
أَو الْعَجز كَقَوْل طرفَة
(ويأتيك بالأخبار من لم تزَود )
فَإِن أنْشد بَيْتا كَامِلا غَيره قَالَ يَوْمًا
(أَتجْعَلُ نَهْبي وَنهب العبيد بَين الْأَقْرَع والعيينة)
فَقيل لَهُ إِنَّمَا هُوَ بَين العيينة والأقرع
قَالَ (إِنَّمَا هُوَ بَين الْأَقْرَع والعيينة) فَقَالَ أَبُو بكر أشهد أَنَّك رَسُول الله ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا علمناه الشّعْر﴾ الْآيَة
وَلَا فرق فِي الْخط بَين الْعَرَبِيّ وَغَيره وَألْحق الْمَاوَرْدِيّ بقول الشّعْر
[ ١٣٦ ]
رِوَايَته وبالكتابة الْقِرَاءَة أَي فِي الْكتاب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب﴾ الْآيَة
وَعبارَة الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف إِن من خَصَائِصه أَنه لم يكن لَهُ أَن يَقُول شعرًا وَلَا أَن يتعلمه
(فَائِدَة) جَمِيع كتابات الْأُمَم اثْنَا عشرَة كِتَابَة الْعَرَبيَّة والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية
ذهب مِنْهَا خمس فَلَا تعرف الْيَوْم الحميرية واليونانية
[ ١٣٧ ]
والقبطية والبربرية والأندلسية وَثَلَاث بقيت فِي بلادها وَلَا تعرف فِي بِلَاد الْإِسْلَام الرومية والهندية والصينية
وَبقيت أَربع تسْتَعْمل فِي بِلَاد الْإِسْلَام العبرانية والفارسية والسريانية والعربية
كَذَا قيل وَلَا يَخْلُو بعضه من نزاع
وَاخْتلف فِي أول من خطّ بِالْعَرَبِيَّةِ
قيل إِسْمَاعِيل ﵇ وَالصَّحِيح مرامر بن مرّة من أهل الأنبار
وَقيل إِنَّه من بني مرّة وَمن الأنبار
ثمَّ انتشرت كِتَابَة الْعَرَبيَّة فِي النَّاس
الْخَامِسَة كَانَ يحرم عَلَيْهِ إِذا لبس لأمته أَن يَنْزِعهَا حَتَّى يلقى
[ ١٣٨ ]
الْعَدو وَيُقَاتل
فَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا (لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا أَخذ لأمة الْحَرْب وَأذن فِي النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى الْعَدو أَن يرجع حَتَّى يُقَاتل)
ثمَّ قَالَ وَقد كتبناه مَوْصُولا بِإِسْنَاد حسن فَذكره من رِوَايَة ابْن عَبَّاس
وَأخرج الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر
وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي بَاب الْمُشَاورَة بِغَيْر إِسْنَاد
وَقَوله فِي الحَدِيث (لأمته) بِالْهَمْزَةِ
كَمَا قَيده صَاحب الْمَشَارِق وَغَيره
وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه (نِهَايَة السول فِي خَصَائِص الرَّسُول ﷺ) كَذَا سمعته وأرويه
[ ١٣٩ ]
قَالَ ابْن فَارس اللأمة مَهْمُوزَة الدرْع
قَالَ كَذَا قيدتها بِالْهَمْز فِي كتاب فقه اللُّغَة إِلَّا أَنه جعله الدرْع التَّامَّة وَكَذَا قيدته أَيْضا فِي كِفَايَة المتحفظ للأجدابي بِالْهَمْز وَجَمعهَا لأم لأم كتمرة وتمر وَيجمع أَيْضا على لؤم بِوَزْن نفر على غير قِيَاس كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي كَأَنَّهُ جمع لؤمة بِضَم اللَّام واستلأم الرجل لبس اللأمة
ثمَّ مَا جزمنا بِهِ من تَحْرِيم النزع عَلَيْهِ حَتَّى يُقَاتل هُوَ الْمَشْهُور وَعَن رِوَايَة الشَّيْخ أبي عَليّ أَن ذَلِك كَانَ مَكْرُوها لَا محرما قَالَ الإِمَام وَهَذَا بعيد غير موثوق
قَالَ الْبَغَوِيّ وَقد قيل بِنَاء عَلَيْهِ إِنَّه كَانَ لَا يَبْتَدِئ تَطَوّعا إِلَّا لزمَه إِتْمَامه
السَّادِسَة كَانَ يحرم عَلَيْهِ مد الْعين إِلَى مَا متع بِهِ النَّاس لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك﴾ الْآيَة
نَقله الرَّافِعِيّ عَن صَاحب
[ ١٤٠ ]
الإفصاح وَرِوَايَة فِي التَّلْخِيص مَجْزُومًا وَلذَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة
السَّابِعَة كَانَ يحرم عَلَيْهِ خَائِنَة الْأَعْين لِأَنَّهُ ﷺ لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة آمن النَّاس إِلَّا سِتَّة مِنْهُم عبد الله بن أبي سرح فَاخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان
[ ١٤١ ]
﵁ فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ بِهِ حَتَّى أوقفهُ على النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا نَبِي الله بَايع عبد الله فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى فَبَايعهُ بعد ذَلِك ثمَّ أقبل إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ (أما كَانَ فِيكُم رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حِين رَآنِي كَفَفْت عَن مبايعته فيقتله)
فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا نَدْرِي مَا فِي نَفسك أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا بِعَيْنِك قَالَ (إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين)
// رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ // من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص
وَقَالَ الْحَاكِم حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم
[ ١٤٢ ]
وَاخْتلف فِي المُرَاد بخائنة الْأَعْين كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي مشكله فَقيل هِيَ الْإِيمَاء بِالْعينِ وَقيل مسارقة النّظر وَعبارَة الرَّافِعِيّ هِيَ الْإِيمَاء إِلَى مُبَاح من ضرب أَو قتل على خلاف مَا يظْهر ويشعر بِهِ الْحَال
وَإِنَّمَا قيل لَهَا خَائِنَة الْأَعْين تَشْبِيها بالخيانة من حَيْثُ إِنَّه يخفى خلاف مَا يظْهر وَلَا يحرم ذَلِك على غَيره إِلَّا فِي مَحْظُور
وَاسْتدلَّ بِهِ صَاحب التَّلْخِيص على أَنه لم يكن لَهُ أَن يخدع فِي الْحَرْب
وَخَالفهُ الْمُعظم كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ مُعَللا بِأَنَّهُ اشْتهر أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ سفرا ورى بِغَيْرِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيح من حَدِيث كَعْب بن مَالك
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (الْحَرْب خدعة) وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء لُغَة النَّبِي ﷺ
وَالْفرق أَن الرَّمْز يزري برامزه بِخِلَاف الْإِبْهَام فِي الْأُمُور الْعِظَام
الثَّامِنَة اخْتلف أَصْحَابنَا هَل كَانَ يحرم عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي على من عَلَيْهِ دين على وَجْهَيْن
وَفِي جَوَازه مَعَ وجود الضَّامِن على طَرِيقين حَكَاهُمَا
[ ١٤٣ ]
أَبُو الْعَبَّاس فِي الجرجانيات فِيمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَنهُ
قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة بعد أَن حكى الْخلاف فِي الثَّانِيَة وَجْهَيْن على خلاف من كَونه طَرِيقين
وَالصَّوَاب الْجَزْم بِجَوَازِهِ مَعَ الضَّامِن ثمَّ نسخ التَّحْرِيم
فَكَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي على من عَلَيْهِ دين وَلَا ضَامِن لَهُ ويوفيه من عِنْده
وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مصرحة بذلك
[ ١٤٤ ]
التَّاسِعَة كَانَ يحرم عَلَيْهِ ﷺ أَن يمن ليستكثر وَمَعْنَاهُ أَن يُعْطي شَيْئا ليَأْخُذ أَكثر مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ذَلِك خَاص بِهِ ﵊ كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ
[ ١٤٥ ]
الْقسم الثَّانِي