أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية شوال، وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر الخبر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد.
_________________
(١) - زاد المعاد (٣/ ٢٤٧) وابن سيد الناس (٢/ ٤٠) .
[ ٦٢ ]
وكان سبب ذلك أن أبا البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو ملاعب الأسنة وفد على رسول الله ﷺ، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى اهل نجد فدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك فقال ﷺ: إني اخشى عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جارهم؛ فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة، وهو الذي يلقب المعتق ليموت في أربعين رجلا من المسلمين، وقد قيل: في سبعين من خيار المسلمين منهم، الحارت بن الصمة، وحرام بن ملحان، أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق وغيرهم فنهضوا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله وعدو رسوله ﷺ عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض بني عامر إلى قتال الباقين، فأبوا أن يجيبوه، لأن أبا براء أجاره، فاستغاث عليهم بني سليم، فنهض معه عصية ورعل وذكوان، وهم قبائل من بني سليم؛ فأحاطوا بهم فقتلوا كلهم رضوان الله عليهم إلا كعب بن زيد أخو بني دينار ابن النجار، فإنه ترك في القتلى، وفيه رمق، فارتث «١» من القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق﵁.
وكان عمرو بن أمية في سرح المسلمين ومعه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح فنظر إلى الطير تحوم على العسكر فنهض إلى ناحية أصحابه، فإذا الطير تحوم على القتلى، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد، فقال المنذر بن محمد إلى عمر بن أمية: فما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل حتى
_________________
(١) - يقال أرتث الرجل: رفع وبه جراح من المعركة وفيه بقية من حياة.
[ ٦٣ ]
قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبره أنه من مضر جزّ ناصيته عامر بن الطفيل، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه، وذلك لعشرين بقيت من صفر مع الرجيع في شهر واحد.
فرجع عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني كلاب، وقيل من بني سليم حتى نزلا مع عمرو بن اميه في ظل كان فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، فسألهما من أنتما؟ فانتسبا له، فأمهلهما حتى إذا ناما عاد عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب ثأرا من قتل أصحابه.
فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره بذلك فقال له رسول الله ﷺ: «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» «١» وهذا سبب غزوة بني النضير.