كان قد عهد الرسول - ﷺ - إلى أمرائه حين أمَّرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتَلهم، إلا أنه عهد في نَفَرٍ سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد، ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧: ثم نهض رسول الله - ﷺ - والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحوله البيت، وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. والأصنام تتساقط على وجوهها. وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بهما قط». ورأى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت، ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك، ثم دار في البيت، وكبّر في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده » إلى أن قال: «يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء». وانظر السيرة النبوية، ٤/ ٧٧ - ٧٨، وفتح الباري، ٨/ ١٨،، والفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، ص١٨٠، وانظر أيضًا: زاهية الدجاني، فتح مكة نصر مبين، ص٧٤، ٧٥. والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟ برقم ٤٢٨٧، و٤٢٨٨.
[ ١٢٧ ]
متعلقين بأستار الكعبة (١).
_________________
(١) عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم ١٨٤٦، ومسلم، برقم ١٣٥٧ بغير هذا اللفظ. وانظر: خليل هنداوي، يوم فتح مكة، ص ٩٤. وقال في الموطأ: ولم يكن فيما نرى يومئذ – والله أعلم – محرمًا، وقال أبو داود: اسم ابن خطل: عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله. وروى أبو داود، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: «لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله - ﷺ - الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، فسمّاهم، وابن أبي سرح، فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله - ﷺ - الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي - ﷺ -، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين». قال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، هذه رواية أبي داود. و[في] رواية النسائي قال: «لمّا كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله - ﷺ - الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، فأما عبد الله بن خطل، فُأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيدٌ عمارًا – وكان أشب الرجلين – فقتله، [وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقلتوه]، وأما عكرمة [بن أبي جهل] فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا: فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: والله، لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني من البر غيره، اللهم لك عهد إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا، حتى أضع يدي في يده، فلأجدنَّه عفوًّا غفورًا كريمًا، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله - ﷺ - الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله وذكر الحديث إلى آخره مثل أبي داود، رواه أبو داود، برقم ٢٦٨٣ في الجهاد، باب قتل الأسير، ولا يعرض عليه الإسلام، والنسائي، ٧/ ١٠٥، و١٠٦ في تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، وهو حديث حسن. [انظر: جامع الأصول بتحقيق الأرنؤوط، ٨/ ٣٧٦]. شرح الغريب: * (رشيد) رجل رشيد، أي: لبيب عاقل، له فطنة. * (خائنة الأعين) كناية عن الرمز والإشارة، كأنها مما تخونه العين، أي: تسرقه، لأنها كالسرقة من الحاضرين. * (عاصف) ريح عاصف، أي: شديد الهبوب. [جامع الأصول، ٨/ ٣٧٦]. عن عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ -، قال يوم فتح مكة: «أربعة لا أؤمنهم في حِلٍّ ولا حرم – وسمّاهم – وقال: وقينتين كانتا لمقيس بن صبابة، فقتلت إحداهما، وأفلتت الأخرى، فأسلمت». [أخرجه أبو داود، برقم ٢٦٨٤ في الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، من حديث محمد بن العلاء، عن زيد بن الحباب، عن عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي، وعمرو بن عثمان لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، قال أبو داود: لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب، قال في بذل المجهود: ولعله أقام له إسناد هذا الحديث بعض تلامذة الشيخ محمد بن العلاء] قال في بذل المجهود في حلّ سنن أبي داود: «هذا الذي رواه أبو داود من أنهما كانتا لمقيس مخالف كما قال أهل السير، فإنهم قالوا: إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لابن خطل، فيمكن أن يكون كلاهما شركاء فيهما، أو كانتا أولًا في ملك أحدهما، ثم في ملك الآخر، والله أعلم.
[ ١٢٨ ]
وكان ممن أمر بقتله: عبد الله بن سعد؛ لأنه أسلم وكتب الوحي ثم ارتدّ، فأتى به عثمان إلى النبي - ﷺ - ومعه ابن سعد وقال للرسول ﵊ أمِّنه، فأمَّنه.
ومن المهدرة دماؤهم: صفوان بن أمية، وقد هرب، ولما رجع أمنه الرسول ﵊ على نفسه.
وغير ذلك، ارجع لكتب التاريخ لمعرفة من هم المهدرة دماؤُهم (١).
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد، ٣/ ٤١١: ولما استقرّ الفتح أمَّن رسول الله - ﷺ - الناس كلهم إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صُبابة، وهبَّار بن الأسود، وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ -، وسارة مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب. وانظر: الفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، ص١٧٩، ط مكتبة المعارف، وص١٢٨، دار الصفا، وجاء في الطبعتين: الحويرث بن نقيذ بدل الحارث بن نفيل. وانظر خليل هنداوي. يوم فتح مكة، ص١٠٥.
[ ١٢٩ ]