المبحث الأول: أسباب الغزوة:
ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني قَتَل صبرًا الحارث بن عمير الأزدي١ الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تُقْتَل، فغضب رسول الله ﷺ، وأرسل الجيش إلى مؤتة، والواقدي ضعيف لا يُعْتَمَد عليه وبخاصّةً إذا انفرد بالخبر٢.
وقد تبعه في ذكر ذلك نقلًا عنه كُلٌّ من: ابن سعد٣، وابن
سيد الناس٤، والقسطلاني٥، وابن القيم٦، والذهبي٧. وذكره ابن حجر
_________________
(١) ١ الحارث بن عمير الأزدي، ثُمَّ اللِهْبِي - بكسر اللام، وسكون الهاء. روى الواقدي عن عمرو بن الحكم قال: "بعثه رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، فلمَّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطًا، وضرب عنقه الخ. وذكره ابن شاهين من طريق محمَّد بن يزيد، عن رجاله بغير هذه القصة". (ابن حجر: إصابة ١/٢٨٦) . ٢ د. أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/٤٦٧. ٣ الطبقات ٢/١٢٨. ٤ عيون الأثر ٢/١٩٨. ٥ المواهب ١/٥٤٩. ٦ زاد المعاد ٣/٣٨١. ٧ تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٤٧٩.هذا وقد وقع تصحيف في رواية الذهبي في اسم أَحَد رواة الخبر، وهو شيخ ابن سعد، حيث ورد اسمه عنده محمَّد بن عثمان، مِمَّا يوهم بصحة الخبر، بينما هو في الحقيقة محمَّد بن عمر الواقدي شيخ ابن سعد المعروف، كما ورد في أصل الخبر في (الطبقات ٤/٣٤٣) .
[ ٢٤٧ ]
بصيغة التمريض١".
وقد اعتمد معظم المؤرخين المعاصرين هذه الرواية جازمين أنَّها هي سبب وقعة مؤتة٢، ومع أنَّ بعضًا منهم٣ ذكر لها سببًا آخر، وهي النتيجة التي آلت إليها سرية ذات أطلاح، بينما يستند بعضهم على رواية أُخرى ضعيفة٤، مفادها أنَّ صاحب مدينة بصرى٥ رفض ما جاء في
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١١. ٢ انظر: (با شميل: غزوة مؤتة ٢٥٢، خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٤-٣٠٥، وخالد بن الوليد ٧٠، ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٦٧-١٦٨، الجنرال أكرم: خالد بن الوليد ١٠٣، أبو زيد شلبي: سيف الله خالد ٦٢، الدويدار: صور من حياة الرسول ﷺ ٥١٥-٥١٦، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٤، الغزالي: فقه السيرة ٣٦٥، البوطي: فقه السيرة ٣٥٠، الشريف: مكة والمدينة ٥٣٣، أبو زهرة: خاتم النبيين ﷺ ٢/١١٣٩) . ٣ انظر: (با شميل: غزوة مؤتة ٢٥٣، ياسين سويد: معارك خالد ١٦٨، احمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق ١٤٥) . ٤ أخرجها الطبري (تاريخ ٢/٦٥٢) عن الواقدي. ٥ مدينة بصرى: من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران، مشهورة عند العرب قديمًا وحديثًا، وهي في منتصف المسافة بين عمَّان ودمشق، وبصرى اليوم آثار قرب مدينة درعة التي احتلت محلها، حتى ظنَّ بعض الناس أنَّها هي، وبصرى، ودرعة، داخل حدود الجمهورية السورية على أكيال من حدود المملكة الأردنية الهاشمية. (انظر: ياقوت: معجم ١/٤٤١، البلادي: معجم ٤٣ - ٤٤) .
[ ٢٤٨ ]
رسالة النَّبيّ ﷺ له، وهدَّد بالمسير إلى المسلمين بجيوشه وغزوهم في عقر دارهم "فتهديده بالمسير إلى المسلمين يقتضي ردًّا على مستوى التحدي، فكانت غزوة مؤتة١.
ويذكر أبو زهرة، عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه ذكر في رسالة القتال٢: "أنَّ النَّبيّ ﷺ ما بعث إلى حرب الروم في مؤتة إلاَّ بعد أن قَتَل الوالي الروماني مَن أسلم في الشام٣.
والحق أنَّ البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيرًا، لأنَّ تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة٤.
فهذه الغزوة كما يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - كانت إرهاصًا لِمَا بعدها من غزو الروم، وإرهابًا لأعداء الله ورسوله ﷺ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: (منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٤) . ٢ لم أعثر على هذه الرسالة. ٣ خاتم النبيين ٢/١١٣٩. ٤ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/٤٦٧. ٥ الفصول في سيرة الرسول ﷺ ١٩٥.
[ ٢٤٩ ]
فقد كانت غزوة مؤتة، مقدمة تبوك، وما كان بعد وفاة النَّبيّ ﷺ من فتح الشام١.
ويرى بعض المستشرقين ومَن سار في فلكهم من القوميين العرب، أنَّ مؤتة كانت لإشعار العرب المتنصرة في الشام بقوة المسلمين، قوة تحفزهم على الانضمام إليهم بدافع العروبة، مِمَّا يوحّد العرب جميعًا، وضمهم إلى الدولة العربية، وإدخالهم في نطاقها.
كما أنَّ زوال ما كان لبيزنطة من الهيبة في نفوس العرب، هيأ الفرصة لقيام الوحدة بينهم، ثُمَّ مهاجمة الممتلكات البيزنطية فيما بعد٢.
وتلك استنتاجات بُنِيَت على أساس الفكر القومي الذي ساد الكتابات العربية وغيرها في الستِّينات، ذلك الفكر الذي أطلق شرارته الأولى أعداء الأُمة الإسلامية منذ نهاية القرن الأوَّل الهجري، وما زالوا يُغَذُّونه ويتلقَّفونه خَلَفًَا عن سَلَفٍ.
ولقد كان هذا الفكر العقيم ولا زال معول هدم لتفتيت وحدة الأُمة الإسلامية، تلك الوحدة العظيمة التي كان الجهاد لإعلاء كلمة الله - ﷿ - في الأرض، ونصرة الحق، والقضاء على الظُّلْم والظَّالمين، هو الوقود الذي يؤجِّجها ويحافظ عليها متماسكة قوية، وهو الأمر الذي
_________________
(١) ١ هيكل: حياة محمَّد (ﷺ) ٤١١. ٢ انظر: (العريني: الدولة البيزنطية ١١٩، الشريف: مكَّة والمدينة ٥٣٣) ونقله العريني عن: Vasiliev، A، The Byzantin، Empire: P: ١٩٥» .
[ ٢٥٠ ]
فطن له أعداء الأُمة فسارعوا إلى ترويج مثل هذه الأفكار المنحرفة لإبعاد المسلمين عن مصادر عزِّهم ومجدهم.
وما كانت غزوة مؤتة إلاَّ استجابة لنداء الباري - ﷿ - لقتال أهل الكتاب وإخضاعهم لسلطان المسلمين، إمَّا بالدخول في الإسلام، أو أداء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ . [سورة التوبة، الآية: "٢٩] ". لأنه اتَّضح بما لا يدع مجالًا للشَّك، من خلال الأحداث أنَّهم كانوا حجر عثرة في وجه نشر الدَّعوة الإسلامية، وأنَّهم شكَّلوا بقواهم السياسية والعسكرية، تهديدًا للمسلمين، وفتنةً لأتباعهم، جرَّدتهم من الحرية الكاملة في اعتناق ما يُحِبُّون، واتِّباع ما يريدون، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بَأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كِرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كِرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية:٣٢،٣٣] .
والعرب المتنصرة في الشام كانوا جزءًا لا يتجزأ من تلك القوى المعادية للإسلام، بدليل مشاركتهم الفعَّالة في جيش الحلفاء في مؤتة ضد المسلمين، وكأنَّهم يريدون إظهار استعدادهم وجاهزيَّتهم للقضاء على قوَّة المسلمين المتنامية في الجزيرة العربية، وهذا يفسِّره ذلك العدد الكبير من المتطوعين من القبائل العربية المتنصِّرة في جيش الروم في مؤتة، بل إنَّ
[ ٢٥١ ]
بعض الروايات أشارت إلى أنَّ الذين حاربوا المسلمين في مؤتة هم القبائل العربية النصرانية فقط، وربَّما شاركهم بعض الرُّوم١.
فكيف يُقال بعد ذلك أنَّ مؤتة حفَّزت على قيام الوحدة العربية بين المسلمين والقبائل العربية المتنصِّرة في الشام؟!.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك الزهري انظر: (الهيثمي، مجمع ٦/١٦٠)، وذكره موسى بن عقية انظر: (البيهقي: دلائل ٤/٣٦٤-٣٦٥) .
[ ٢٥٢ ]