المبحث الأوّل: الأحكام المستنبطة:
قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز تعليق الإمارة بشرط"١".
وقال العامري، قال في التوشيح: "يؤخذ منه جواز ولاية الوظائف تعليقًا، وهو دليلٌ قويٌّ جدًا٢".
وقال ابن حجر: "وفيه جواز تولية عدّة أمراء بالترتيب، وقد اختلف: "أتنعقد الولاية الثانية في الحال أم لا؟ والذي يظهر أنها في الحال تنعقد، ولكن بشرط الترتيب". وقيل: "تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار". واختيار، الإمام مقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامّة٣".
وفيه جواز التأمّر في الحرب بغير تأمير. قال البيهقي: "وفيه دلالة على أنّ الناس إذا لم يكن عليهم أمير، ولا خليفة أمير، فقام بإمارتهم مَنْ هو صالح للإمارة، وانقادوا له، انعقدت ولايته٤".
وذكر البغوي - نقلًا عن الخطّابي: "أنّ خالد بن الوليد تأمّر عليهم بعد ما أصيب الأمراء، من غير تأمير من النبيّ ﷺ لمكان الضرورة، وذلك أنه نظر فإذا هو في ثغر مخوف لم يأمن فيه ضياع المسلمين، فأخذ
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١٣. ٢ بهجة المحافل ١/٣٩٠ -٣٩١، وانظر: "البغوي: "شرح السنة ١١/٥. ٣ فتح الباري ٧/٥١٣. ٤ السنن الكبرى ٨/١٥٤.
[ ٣٦١ ]
الراية، وتولّى أمر المسلمين، ورضيه رسول الله ﷺ، فصار هذا أصلًا في كلّ أمر حدث ممّا سبيله أن يتولاّه الأئمّة، ولم يشهدوه، وخيف عليه الضياع، إنّ القيام به واجبٌ على من شهده من جماعة المسلمين، وإن لم يتقدّم منهم في ذلك، وكذلك إن وقع ذلك في واحدٍ خاصٍّ، نحو أن يموت رجلٌ بفلاة، فإنّ على من شهده حفظ ماله وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوص به، كما يجب تكفينه وتجهيزه، لأنّ أمر الدّين على التّعاون والتّناصح١".
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ ٢".
وفيه فضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد ﵁، حيث سمّاه رسول الله ﷺ، سيف الله، ولم يزل يعرف بهذا الاسم فيما بعد٣".
أمّا عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه، فاختلف في حكمه، فقد علّق أبو داود على حديث عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه في المعركة بقوله: "ليس هذا الحديث بالقوي٤، وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول الله ﷺ عن تعذيب البهائم وقتلها عبثًا٥".
_________________
(١) ١ شرح السنة ١١/٥، وفتح الباري ٧/٥١٣. ٢ فتح الباري ٧/٥١٣. ٣ انظر: " (العامري: "بهجة المحافل ١/٣٩٣، ابن حجر: "فتح ٧/٥١٣) . ٤ سبق تخريج الحديث ومعرفة حكمه برقم [٥١] . ٥ السّنن ٣/٦٢-٦٣.
[ ٣٦٢ ]
قال السّهيلي: "وأمّا عقر جعفر فرسه، ولم يعب ذلك عليه أحد، فدلّ على جواز ذلك إذا خيف أن يأخذها العدو، فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في باب النهي عن تعذيب البهائم وقتلها١".
وقال الشامي: "واختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلًا يظفر به العدوّ، فرخّص فيه مالك، وكره ذلك الأوزاعي، والشافعي واحتجّ الشافعي بحديث النبي ﷺ: "من قتل عصفورًا فما فوقه بغير حقّه، يسأله الله تعالى عن قتله".
واحتجّ بنهيه ﷺ عن قتل الحيوان إلاّ لمأكله، قال: "وأمّا أن يعقر الفرس من المشركين فله ذلك، لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل مَن أمر بقتله٢".
وقال ابن كثير: "وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدوّ - كما يقول أبو حنيفة - في الأغنام إذا لم تتبع في السير، ويُخشى من لحوق العدوّ وانتفاعهم بها أنّها تُذبح وتحرق ليُحال بينهم وبين ذلك". والله أعلم٣".
وقال ابن قدامة: "ويقوى عندي أنّ ما عجز المسلمون عن سياقه وأخذه، إن كان مِمَّا يستعين به الكُفّار في القتال، كالخيل، جاز عقره وإتلافه، لأنّه مِمَّا يحرم إيصاله إلى الكُفّار بالبيع، فتركه لهم بغير عِوَض أولى
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٧/٣٦-٣٧. ٢ سبل الهدى والرشاد ٦/٢٤٩. ٣ البداية والنهاية ٤/٢٤٤.
[ ٣٦٣ ]
بالتحريم، وإن كان مِمَّا يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه مع الحاجة وعدمها، وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه؛ لأنّه مجرّد إفساد وإتلاف، وقد نهى النبيّ ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكله١".
وفي الحديث: "الحكم باستشهاد القادة الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم، فهم مِمَّن يقطع لهم بالجنّة، وذلك بشهادة رسول الله ﷺ لهم، وذكر ذلك ابن كثير٢".
وفي حديث الجناحين اللذين أثابهما الله ﷿ جعفرًا ﵁ عنه بدلًا من يديه اللتين قُطِعَتا، اختلف في معنى الجناحين، أهما على الحقيقة أم لا؟ ".
قال ابن حجر: "روى النسفي عن البخاري أنه يقال لكلّ ذي ناحيتين جناحان، وأنّه أشار إلى أنّ الجناحين في هذه القصّة ليسا على ظاهرهما٣".
وقال السهيلي: "وممّا ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنّهما ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطّائر وريشه، لأنّ الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، وفي قوله - ﵇:"إنّ الله خلق آدم على صورته"، تشريف له عظيم، وحاشا لله من التّشبيه والتّمثيل، ولكنها عبارة عن صفة ملكية، وقوة روحانية، أعطيها جعفر كما أعطيتها
_________________
(١) ١ المغني ١٣/١٤٦. ٢ البداية والنهاية ٤/٢٥٥. ٣ فتح الباري ٧/٥١٥.
[ ٣٦٤ ]
الملائكة، وقد قال الله تعالى لموسى: ﴿اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جِنَاحِكَ﴾ [سورة طَه، الآية: ٢] . فعبّر عن العضد بالجناح توسعًا، وليس ثَمَّ طيران، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخليق إذًا أن يوصف بالجناح مع كمال الصّورة الآدمية، وتمام الجوارح البشريّة، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: "ليست كما يتوهم من أجنحة الطير، ولكنّها صفات ملكية لا تفهم إلاّ بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع﴾ . [سورة فاطر، الآية: ١] . فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة، فكيف بستمائة جناح كما في صفة جبريل - ﵇، فدلّ على أنّها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر، ولا ورد - أيضًا - في بيانها خبر، فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا علمًا إعمال الفكر في كيفيتها، وكلّ امرئ قريب من معاينة ذلك١".
قال ابن حجر: "هذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي نقله عن العلماء، ليس صريحًا في الدلالة لما ادعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر إلاّ من جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد، وهو ضعيف، وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأنّ الصورة باقية، وقد روى البيهقي في الدلالة من مرسل عاصم ابن عمر بن قتادة: "أنّ جناحي جعفر من ياقوت، وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ، أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة٢".
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٧/٣٨-٣٩. ٢ فتح الباري ٧/١٦٥.
[ ٣٦٥ ]
وفي حديث المدديّ، وقصَّته مع خالد ﵁، من الفقه، كما ذكر الخطابي: "أنَّ الفَرَس مِن السَّلْب، وأنّ السَّلْبَ قليلًا كان أو كثيرًا؛ فإنّه للقاتل لا يُخَمَّس، ألا ترى أنّه أمر خالدًا بردّه عليه مع استكثاره إيَّاه، وإنَّما كان ردّه إلى خالد بعد الأمر الأوّل بإعطائه القاتل نوعًا من النكير على عوف١، وردعًا له وزجرًا لئلاَّ يتجرأ الناس على الأئمة، ولئلاَّ يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهدًا في صنيعه ذلك، إذ كان قد استكثر السَّلْبَ، فأمضى له رسول الله ﷺ اجتهاده لِمَا رأى في ذلك من المصلحة العامّة بعد أن كان خطَّأَه في الرأي الأوّل، والأمر الخاصّ مغمور بالعامّ، واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح، ويشبه أن يكون النبيّ ﷺ قد عوَّض المَدَدِيَّ من الخُمُس الذي هو له، وترضَّى خالدًا بالصَّفْحِ عنه، وتسليم الحكم له في السَّلب٢".
وقال النووي: "وهذا الحديث قد يستشكل من حيث إنّ القاتل قد استحقّ السلب، فكيف منعه إيّاه؟! ". ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: "لعلّه أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنّما أخّره تعزيزًا له، ولعوف بن مالك، لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁، وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاّه".
_________________
(١) ١ في شرح السنن (٣/١٦٤): "نوعًا من التكبُّر على معروف" وهو لا يستقيم مع السياق. والتصحيح من شرح السنة للبغوي (٣/١١) . ٢ الخطابي: شرح سنن أبي داود، حاشية٣/١٦٤،وانظر: (البغوي: "شرح السنة٣/١١) .
[ ٣٦٦ ]
الوجه الثّاني: "لعلّه استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره، وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء١".
وفي الحديث - أيضًا - دليلٌ على أنّ نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أنّ النّبيّ ﷺ أمره بإمساكه، قبل أن يردّه، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأوّل، ذكره الخطّابي٢".
ويستفاد من حديث أنس بن مالك ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ نعى زيدًا، وجعفرًا، وابن رواحة، قبل أن يأتيهم الخبر" الحديث. جواز الإعلام بموت الميت، ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه، قال ابن المرابط: "النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدّعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه وما يترتّب على ذلك من الأحكام".
وأمّا نعي الجاهليّة: "فقال سعيد بن منصور: "أخبرنا ابن علية، عن ابن عون قال: "قلت لإبراهيم: "أكانوا يكرهون النعي؟ قال نعم".
_________________
(١) ١ النووي على مسلم ١٢/٦٤. ٢ حاشية سنن أبي داود ٣/١٦٤.
[ ٣٦٧ ]
قال ابن عون: "كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة، ثُمَّ صاح في النّاس: "أنعى فلانًا"، وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: "لا أعلم بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه".
وحاصله أنّ محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يُشَدِّد في ذلك حتى: "كان حذيفة إذا مات له الميّت يقول: "لا تؤذنوا به أحدًّا، إنّي أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين ينهى عن النعي". أخرجه الترمذي، وابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ".
قال ابن العربي: "يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنة.
الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره.
الثالثة: الإعلام بنوعٍ آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يَحْرُم١.
وفي إخبار النبي ﷺ النّاس بمصاب أهل مؤتة، علم ظاهر من أعلام النُّبوّة٢".
وفي حديث عائشة - ﵂ - الذي ذكرت فيه ظهور الحزن على رسول الله ﷺ حينما عرف بمصاب أصحابه في مؤتة من الفوائد:
بيان ما هو الأولى بالمصاب من الهيئات، ومشروعية الانتصاب للعزاء على هيئته، وملازمة الوقار والتثبُّت".
_________________
(١) ١ انظر: " (ابن حجر: "فتح الباري ٣/١١٦-١١٧، ٧/٥١٣) . ٢ فتح الباري ٧/٥١٣.
[ ٣٦٨ ]
ويؤخذ منه - أيضًا: "أنّ ظهور الحزن على المصاب إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابرًا راضيًا إذا كان قلبه مطمئنًا، بل قد يُقال: "إنّ مَن كان ينْزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع مرتبة مِمَّن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلًا، أشار إلى ذلك الطبري١".
وفي حديث أمر النبي ﷺ بصنع طعام لآل جعفر، فيه ندب تهيئة طعام لأهل الميّت، والإلحاح عليهم في أكله لئلا يضعفوا بتركه٢".
قال السهيلي: "وهذا أصل في طعام التعزية، وتسميه العرب الوضيعة"٣".
قال ابن إسحاق: "سمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: "لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميّت، تكلّف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم، فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزًا صغارًا، وصنعوا لحمًا، فجُعِل في جفنة، ثُمّ يأتون به أهل الميّت، وهم يبكون على ميِّتهم، مشتغلين، فيأكلونه لقول رسول الله ﷺ لأهله حين أُصيب جعفر: "لا تغفلوهم أن تصنعوا لهم طعامًا يومهم هذا، ثُمَّ إنّ الناس تركوا ذلك"٤.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١٤-٥١٥. ٢ انظر: " (العامري: "بهجة ١/٣٩٠-٣٩١) . ٣ الروض ٧/٤٢. ٤ انظر: " (البيهقي: "دلائل ٤/٣٧٠) . قلت: "وقد كانت هذه العادة، وهي صُنْع الخبز الصغار لأهل الميّت موجودة في بعض المدن والقرى، أخبرني بذلك الوالد - رحمه الله تعالى - كما ذكر لي بعض الأخوة المصريّين أنّها ما زالت في معظم قرى مصر". والله تعالى أعلم.
[ ٣٦٩ ]
قال ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية: "يُستحب لجيران أهل الميّت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم ليلتهم ويومهم، ويكره اتّخاذ الضيافة من أهل الميّت، لأنّه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة". انتهى.
ويؤيّده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: "كُنّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام من النياحة". أخرجه ابن ماجه، وبوّب له باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميّت وصنعة الطعام".
وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم، قاله السندي".وقال - أيضًا -:قوله:"كُنّا نرى" هذا بمنْزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبيّ ﷺ، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حُجّة".
وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميّت، فاجتماع الناس في بيتهم حتّى يتكلّفون لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثيرٌُ من الفقهاء أنّ الضيافة لأهل الميّت قلب للمعقول١
_________________
(١) ١ قلت: "انقلب هذا المعقول اليوم انقلابًا جذريًا، فأصبح الناس يقومون بإجراءات في المآتم أشبه ما تكون بالأفراح السعيدة، فمنْزل الميّت صار يُزَيَّن بمصابيح الكهرباء، وتُفْرَش الأرض بأنواع الزّل والمفارش، وتوضع الكراسي والصوانات خارج المنْزل لاستقبال وفود المُعَزِّين، وتًصْنَع الولائم ليل نهار لمدّة ثلاثة أيام، ويكلّف أهل الميّت ضيافة الوافدين والوافدات للعزاء، والمقيمين من الأقارب والأصدقاء، والجيران، وقد وصل بهم الأمر إلى التفاخر في مراسم المآتم، والاحتفال بها في صالات الأفراح". فالله المستعان.
[ ٣٧٠ ]
لأنّالضيافة حقًّا أن تكون للسرور لا الحزن١".
في حديث عبد الله بن جعفر - ﵄ -، وقوله: "ثُمَّ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثُمّ أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم".
قال ابن كثير: "وهذا يقتضي أنّه - ﵊ - أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام، ثُمَّ نهاهم عنه بعدها٢".
أمّا بالنسبة للمراثي٣ التي قيلت في أهل مؤتة، فيؤخذ منه جواز رثاء الميّت، وقد رثت فاطمة - ﵂ - أباها ﷺ، ورثاه غيرها، وفعله كثيرٌ من الصحابة - ﵃ -، وغيرهم من العلماء - ﵏ -، وما ورد من النهي عنها محمول على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار، أو على ما يجدد الحزن٤".
_________________
(١) ١ عون المعبود، شرح سنن أبي داود ٨/٤٠٦-٤٠٧. ٢ البداية والنهاية ٤/٢٥٢. قلت: "كانت الرخصة في البكاء العادي، وليس النياحة المنهي عنها ابتداءً. ٣ جمع مرثية، وهي عدّ محاسن الميّت نظمًا ونثرًا. ٤ العامري: "بجهة المحافل ١/٣٩٥.
[ ٣٧١ ]
قلت: "ومما يدلّ على جوازه أيضًا هو فعل الصحابة له في حياة النبيّ ﷺ، حيث رثى الشعراء من الصحابة أمثال حسَّان بن ثابت ﵁، وغيره شهداء بدر، وأُحُدٍ، وغيرهما من الغزوات والسرايا دون اعتراض من النبيّ ﷺ، مِمَّا يعدّ تقريرًا لذلك". والله تعالى أعلم".
[ ٣٧٢ ]