المبحث الأوَّل: الخلاف في عددهم:
تحرَّكت القوات الإسلامية من المدينة صوب الشام في مسير اقترابي حَذِر.
[٣٠] ويذكر الواقدي أنَّهم نزلوا وادي القرى في طريقهم إلى الشام، وأقاموا أيَّامًا١، ولكن أنباء حركتهم وصلت إلى الروم قبل وصول المسلمين إليهم٢، فنذروا وجمعوا لهم جموعًا كثيرة من الروم وحلفائهم من القبائل العربية الشامية المتنصرة.
هذا وقد اختلفت الروايات فيهم، وفي عدَّتهم، ففي مرسل عروة: "ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من الروم:
[٣١] "وانضم إليهم من لخم٣، وجذام، والقين٤، وبَهْرَاء٥، وبلىّ،
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي ٢/٧٦٠. ٢ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٥، ٣٠٧. ٣ لَخْم - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة - وهم من بني كهلان بن سبأ، وكان لهم مُلْك بالحيرة، ثُمَّ كان لبقاياهم مُلك بأشبيلية، ومن لخم بني الدار، ومنهم تميم الداري الصحابي. (القلقشندي: قلائد الجمان ٦٩) . ٤ بنو القين قبيلة كبيرة من قضاعة، ينسبون إلى القين بن جسر، ووهم ابن التين، فقال: بنو القين قبيلة من تميم. (ابن حزم: جمهرة أنساب العرب٤٢٤، ابن حجر: فتح ٨/٧٤) . ٥ بَهْرَاء - بفتح الباء الموحدة، وسكون الهاء، وفتح الراء المهملة - وهم بنو بهراء بن الحافي بن قضاعة، والنسبة إليهم بَهْرَائي، ومنهم جماعة من الصحابة منهم المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه، وكان بينهم وبين اللخميين ملوك الحيرة حروب. (القلقشندي: قلائد الجمان ٤٩) .
[ ٢٧٥ ]
مائة ألف منهم١".
وتابعه في ذلك ابن إسحاق في رواية يونس عنه٢، وابن الأثير٣، والطبري، والبيهقي، كلاهما بسنديهما إليه٤، وتابعه من المتأخرين كُلٌّ من: "ابن عبد البر، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، وابن حزم، والعامري، والحلبي، والذهبي٥".
[٣٢] وذكر السهيلي حكايةً عن ابن إسحاق: "أنَّهم كانوا خمسين ومائة ألف٦".
[٣٣] بينما يذكر الواقدي في روايته: "أنَّهم كانوا مائة ألف من القبائل العربية المتنصرة٧".
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة٤/٣٧٥) من حديث ابن إسحاق عنه، وسنده حسن إلىعروة. ٢ ذكر ذلك ابن كثير (البداية ٤/٢٤٢ - ٢٤٣) . ٣ ابن الأثير: الكامل ٢/٢٣٥. ٤ الطبري: تاريخ ٣/٣٧، البيهقي: دلائل ٤/٣٦٠. ٥ انظر: (ابن عبد البر: درر ٢٢٢، ابن سيد الناس: عيون ٢/١٩٨، ابن القيم: زاد٣/٣٨١، ابن كثير: البداية ٤/٢٤٣، ابن حزم: جوامع ٢٢٠، العامري: بهجة١/٣٩٠، الحلبي: سيرة ٢/٧٨٦، الذهبي: تاريخ، قسم المغازي ٤٨١) . ٦ السهيلي: الروض ٧/٤١. ٧ المغازي ٢/٧٦٠.
[ ٢٧٦ ]
وتابعه القسطلاني، إلاَّ أنّه ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من المشركين١، وكذلك المسعودي، إلاَّ أنه ذكر أنَّهم جموع الروم٢".
وكان هنالك اضطراب في رواية ابن سعد حيث ذكر أولًا أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني جمع أكثر من مائة ألف، ثُمَّ يعود فيذكر:
[٣٤] "أنَّ هرقل قد نزل مآبًا من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء الخ"٣.
ووردت أقوال أخرى حكاها بعض أهل المغازي، دون نسبتها إلى قائليها، حيث قال السهيلي: وقيل: "كان العدو مائتي ألف من الروم، وخمسين ألفًا من العرب، ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع المسلمين٤". ونقل ذلك الحلبي أيضًا٥".
وقال الزرقاني، والشامي: "كانوا أكثر من مائتي ألف٦".
_________________
(١) ١ القسطلاني: مواهب ١/٥٤٩. ٢ المسعودي: التنبيه والإشراف ٢٦٥. ٣ سبق تخريجها برقم [٣] . ٤ السهيلي: الروض الأنف ٧/٤١. ٥ الحلبي: سيرة ٢/٧٨٧. ٦ انظر: (الزرقاني: شرح ٢/٢٧١، الشامي: سبل ٦/٢٥١) .
[ ٢٧٧ ]
وقال ابن حجر: "قيل: أكثر من مائة ألف١".
[٣٥] ولم تُحَدِّد روايات الزهري، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن عائذ العدد، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة من الروم، ونصارى العرب من قضاعة، وتنوخ، وبهراء، وغيرهم من نصارى العرب٢".
ووقع مثل ذلك في رواية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه ٣". ويصفهم خليفة بن خياط بأنَّهم جموع هرقل٤ دونما تحديد".
ويرى العقَّاد صعوبة جمع تلك الجيوش الجرَّارة وتسييرها في مثل تلك السرعة، ويرجِّح أنَّ "هرقل إنَّما كان في جموعه هنالك في زيارة الشكر التي نذر لله أن يؤدِّيها إذا هو ظفر بالفرس، وردَّ منهم صليب الكنيسة الكبرى الذي حملوه معهم يوم أَنْ فتحوا بيت المقدس، وربَّما كان هرقل قد بارح بيت المقدس في ذلك الحين، وتخلَّفت جيوش ركابه لأداء هذه الفريضة معه أو القيام بمراسم الحفاوة في تلك الزيارة التاريخية٥".
وذلك استنتاجٌ مبنيٌّ على رواياتٍ ضعيفة، فقد ذكرت المصادر أنَّ هرقل كان في الشام قبل مؤتة بخمسة أشهر على الأقل، حينما استقبل دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - سفير رسول الله ﷺ إليه، ثُمَّ من بعده أبا سفيان بن حرب ومَن معه الذين سألهم عن النَّبيّ ﷺ أسئلةً دقيقةً وشخصيةً، وقد أظهر هرقل حينها احترامًا بالغًا للنَّبِيِّ ﷺ، بل وصدَّق
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح ٧/٥١٣. ٢ سبق تخريجها برقم [٢] . ٣ سبق تخريجها برقم [١٥] . ٤ سبق تخريجها برقم [٨] . ٥ محمود عباس العقاد: عبقرية خالد بن الوليد ٥٢-٥٣.
[ ٢٧٨ ]
به، ولكنَّه لم يُسلم خوفًا على ملكه، وكان ذلك بعد الحديبية، كما ذكر أبو سفيان راوي الخبر١".
وذهب الدويدار أبعد من ذلك حينما أكد على أنَّ الروايات تكاد تجمع على تلك الأعداد الضخمة التي استقبل بها الرومان المسلمين في مؤتة٢".
وتلك مبالغة لا تقل عن مبالغة بعض الروايات التي ذكرناها في تحديدها لعدد جيش الروم وحلفائهم في مؤتة".
ولا ريب أنَّ المبالغات التي أعقبت هذه المعركة، كثَّرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي٣، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تؤلِّف مع الجيش الروماني قوةً ضخمة، ولكنَّ الأمر لم يكن على تلك الدرجة البالغة من الخطورة، "فإنَّ الحملة الإسلامية كانت مكوَّنة من ثلاثة آلاف، وأنَّ أنباء مسيرها كانت معروفة، فلا يمكن أن يوجه إليها الروم مثل هذا العدد الحاشد من الجيوش، على أنَّ هذه الأعداد الضخمة لم تستخدمها بيزنطة في قتالها مع الفرس٤".
_________________
(١) ١ انظر: البخاري (الصحيح ١/٥)، وانظر: (أحمد عادل: الطريق إلى دمشق ١٣٠-١٣١، ١٤٨) . ٢ الدويدار: صور من حياة الرسول ﷺ ٥١٧. ٣ عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٦. ٤ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٤.
[ ٢٧٩ ]
[٣٦] فقد ذكرت المصادر أنَّ جيش هرقل الذي أعاد به كرامة الإمبراطورية البيزنطية عندما هزم جيوش كسرى، حتى استطاع دخول المدائن، كان لا يزيد عدده عن سبعين ألفًا١".
"ولم يستخدم الروم هذه الأعداد، إلاَّ فيما بعد عندما اشتبكوا مع الدولة الإسلامية اشتباكًا حقيقيًا خطيرًا٢".
لذلك فإنه من الأصوب الأخذ بروايات الزُّهري، وابن عقبة، وابن عائذ، التي لم تُحَدِّد القوَّات بعددٍ معيَّنٍ، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة "وكُلّ ما يمكن تصوُّره أنَّ قوَّة العدو كانت أكبر من قوَّة المسلمين، أو أنَّها كانت أضعافها"٣".
ويعتقد الجنرال أكرم أنَّها رُبَّما كانت تتراوح بين عشرة آلاف، وخمسة عشر ألفًا٤.
إنَّ التحديد الذي ورد في بعض الروايات التي ذكرناها بتلك الأعداد الضخمة، ربَّما كان اجتهادًا من بعض الرواة والإخباريين، أو حتى بعض شهود العيان الذين ربَّما نقل عنهم عروة وغيره من المؤرِّخين.
_________________
(١) ١ انظر: "الطبري: تاريخ ٢/١٨٣، الكندي: فتوح مصر ٣٥، ابن عساكر: تاريخ دمشق: المجلدة الأولى ٥٣١، أحمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق ٣٩". ٢ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٤. ٣ المصدر السابق. ٤ الجنرال أكرم: سيف الله خالد بن الوليد ١٠٥.
[ ٢٨٠ ]
كما لم تزودنا المصادر البيزنطية بمعلوماتٍ وافرة عن الأحداث التي كانت بين بيزنطة والمسلمين، بما في ذلك أحداث معركة مؤتة، فنستطيع من خلالها معرفة عدد الجيش البيزنطي والحلفاء فيها، حيث كان الاعتماد على المصادر الإسلامية في ذلك، والتي نادرًا ما تخطيء في وصف الأحداث، لاعتمادها على الإسناد الذي يصل في كثيرٍ من الأحيان إلى شهود العيان، أو حتَّى المشاركين في تلك الأحداث، وتلك عملية دقيقة ومرتَّبة لم يُسْبَق المسلمون فيها أبدًا، بل لم تعرفها أُمة من الأُمم على الإطلاق، غير الأُمة الإسلامية.
ولكن حتَّى شهود العيان والمشاركون في صميم الأحداث لا يستطيعون في بعض الأحيان التعرُّف بدقة على عدد جند العدوّ١.
بل يعتمدون أحيانًا على الحدس والتخمين في إحصاءاتهم لجيوش الأعداء، لأنه لم تكن هنالك إحصاءات دقيقة معلومة عن عدد الجند والجيوش، كما هو الحال اليوم٢.
_________________
(١) ١ في غزوة بدر العظمى ابتكر النَّبِيُّ ﷺ طريقة ذكية عَرَفَ من خلالها عدد جيش قريش، حيث سأل الأسرى الذي أمسك بهم المسلمون: كم ينحرون؟ قالوا: يومًا عشرة، ويومًا تسعة. قال القوم: ما بين الألف والتسعمائة. (أخرجه أحمد: المسند ٢/١٩٣، والواقدي: مغازي ١/٥٣) . وانظر: (العليمي: مرويات غزوة بدر ٩٩) . ٢ بل إنَّ الكثير من دول العالم اليوم لا تُعْطِي إحصاءات دقيقة وصحيحة لجيوشها لاعتبارات أمنية.
[ ٢٨١ ]
ورُبَّما أنَّ بعض شهود معركة مؤتة من المسلمين شاهدوا تلك الكثافة العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة من الجند الروماني المجهَّز بأحدث الأسلحة والعتاد، فهالهم ذلك المنظر الذي لم يتعوَّدوه من قبل، فقدَّروا عددهم اجتهادًا، ذلك التقدير الضخم.
روى الواقدي بسنده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال:
[٣٧] "شهدت مؤتة، فلمَّا رأينا المشركين، رأينا ما لا قِبَل لنا به من العدد والسلاح والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم١: "يا أبا هريرة، مالك؟! كأنَّك ترى جموعًا كثيرة، قلت: "نعم". قال: "إنَّك لم تشهد بدرًا معنا، إنَّا لَم نُنْصَر بالكثرة٢".
ومهما قيل في مبالغة الذين سجَّلوا تعداد الروم وحلفائهم، فإنَّ الحقيقة تبقى واضحة للدارسين بأنَّ الرُّوم وحلفاءهم كانوا أضعاف تعداد المسلمين، كما أنَّهم يقاتلون في بلادهم دفاعًا عنها، بينما يقاتل المسلمون بعيدًا عن قاعدتهم الرئيسية المدينة، وبذلك تكون المزايا العسكرية في التفوُّق العَدَدِيّ والعُدَدِيّ، وفي قرب قواعد الروم إلى قوَّاتهم المقاتلة، هذه المزايا مع الروم على المسلمين بلا مراء٣.
_________________
(١) ١ في الأصل (أرقم)، والتصحيح من الإصابة. ٢ الواقدي: مغازي ٢/٦٧٠. ٣ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٠.
[ ٢٨٢ ]