قال الشامي: "ذكر الجمهور١، ومنهم: ابن سعد أنّها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان"٢.
وقال ابن حجر: "وقيل: سنة سبع"٣. وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب: (صحيح التاريخ)، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنّها كانت بعد غزوة مؤتة٤، إلاّ ابن إسحاق فقال: "قبلها". قلت: وهو قضية ما ذُكِر عن ابن سعد وابن أبي خالد"٥.
قال الشامي: "أمّا قضية ما ذُكِرَ عن ابن سعد فغير واضح، فإنّ ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وذَكَر في غزوة مؤتة أنّها كانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وأمّا ما نقل ابن إسحاق فالذي في رواية زياد البكائي، تهذيب ابن هشام، عن ابن إسحاق، تأخُّر غزوة ذات
_________________
(١) ١ الجمهور الذي قصدهم الشامي معظمهم ناقل عن ابن سعد، وهم: "الطبري: تاريخ ٣/٣١، وابن سيد الناس: عيون ٢/٢٠٤، وابن القيم: زاد ٢/١٥٧، والقسطلاني: المواهب ١/٥٥٤"، وغيرهم. ٢ سبل ٦/٢٧٠. ٣ ذكرها ابن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة سبع (تاريخ ٨٥)، وذكر الزرقاني أنّ ابن سعد حكى ذلك (شرح المواهب ٢/٢٧٨)، ولم أجد هذا القول في الطبقات فلعلّه من الجزء الساقط من ترجمة عمرو بن العاص عنده. ٤ تاريخ دمشق (السيرة النبوية، القسم الأوّل ص ٤٠٢) . ٥ فتح الباري ٨/٧٤.
[ ٣٩٩ ]
السلاسل عن مؤتة بِعِدَّة غزوات وسرايا، ولم يذكر أنّها كانت قبل مؤتة فيحتمل أنّه نصَّ على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد"١.
قلت: ما ورد في رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، عند ابن هشام، لا يُعَدُّ في التقديم والتأخير، لأنّه ذكر السّرية في جملة المغازي والسرايا آخر كتاب المغازي٢. ولم يُسلسلها تاريخًا، كما فعل في بقية المغازي والسرايا الأخر.
أمّا رواية غير زياد التي أشار إليها الشامي فهي رواية يونس بن بكير التي أخرجها كُلٌّ من ابن عساكر والبيهقي بسنديهما عنه، فإنّه لم يذكر فيها تاريخًا لها٣. والله تعالى أعلم.
ولم يؤرِّخ لها الواقدي أيضًا، وذلك خلاف عادته، بل ذكرها مباشرة بعد مؤتة٤.
وقال ابن كثير: "ذكرها الحافظ البيهقي قبل غزوة الفتح"٥.
_________________
(١) ١ سبل ٦/٢٧٠. ٢ ابن هشام (سيرة: بشرح أبي ذرّ ٤/٣٥٩) . ٣ انظر: (البيهقي: دلائل ٤/٣٩٩، وابن عساكر: تاريخ، السيرة النبوية، القسم الأول ص ٤٠٤) . ٤ مغازي ٢/٧٦٩، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة ٢/٥١٠)، في ترجمة عمرو بن العاص أنّ الواقدي أرَّخ لها بشهر جمادى الآخرة سنة ثمان، فلعلّه اطلّع على نسخة أُخرى من المغازي. والله تعالى أعلم. ٥ بداية ٤/٢٧٢، وانظر: الدلائل ٤/٣٩٧.
[ ٤٠٠ ]
[١٤] وذكر الزهري في روايته: أنّ البعثين كانا بعد رجوع أهل الحبشة١. هذا بالنسبة لأهل المغازي.
أمَّا ما يفهم من الأحاديث التي وردت عن السرية، ففي حديث عليّ بن رباح٢، عن عمرو بن العاص ﵁ قال فيه:
[١٥] "قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ". الحديث٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [٩] . ٢ عليّ بن رباح بن قصير - ضدّ الطويل، اللخمي، أبو عبد الله المصري (ثقة) . من كبار الثالثة. مات سنة بضع عشرة ومائة. (تقريب ٤٠١) . ٣ أخرجه أحمد (المسند، حديث: ١٧٧٣٠)، والبخاري، (الأدب المفرد ص ٩٧)، والحاكم، (المستدرك ٢/٣)، جميعهم من حديث موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه، عن عمرو بن العاص ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر (فتح الباري ٨/٥٧): رواه أحمد والبخاري في الأدب، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وقال الهيثمي (المجمع ٩/٣٥٣): رجال أحمد رجال الصحيح، وحسَّن ابن حجر في (الإصابة) سند أحمد. قلت: لعلَّ ذلك من أجل أنَّ فيه موسى بن عليّ، قال عنه في (التقريب ص ٥٥٣): صدوق ربما أخطأ. ولكنه وقع مع ذلك من رجال مسلم. فسنده صحيح. كما صحّحه النقاد من أهل الحديث. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠١ ]
يُفْهَم منه أنّه ﷺ بعثه بعد إسلامه مباشرة، قال ابن حجر: "وهذا فيه إشعار بأنّ بعثه عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة"١.
أمّا حديث الحارث٢ بن حسَّان الذي فيه:
[١٦] "خرجت أشكو العلاء٣ بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ " الحديث. إلى أن قال: "فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله٤، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا ". الحديث٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٧٥. ٢ الحارث بن حسَّان البكري، ويُقال اسمه: حُريث. (صحابي) له وفادة، ونزل البادية، وكان يقدم الكوفة. (تقريب ١٤٥) . ٣ العلاء بن الحضرمي، واسم أبيه عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أُمية. (صحابي جليل) عمل على البحرين للنبيّ ﷺ، وأبي بكر، وعمر، ومات سنة أربع عشرة. وقيل: بعذ ذلك. (تقريب ٤٣٤) . ٤ أي: ممتلئ بالناس. ٥ أخرجه أحمد بهذا السياق مطوَّلًا في قصة عاد من قصص الأنبياء (المسند ٣/٤٨٢) . وأخرجه النسائي (السنن الكبرى ٥/١٨١) مختصرًا. كلاهما من طريق أبي المنذر سلام بن سليمان النحوي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري ﵁. قلت: وسنده حسن. لأنَّ فيه عاصم بن بهدلة. صدوق له أوهام. (التقريب ص ٢٨٥) . كما أخرجه أحمد (المسند ٣/٤٨١)، وابن ماجه (السنن ٢/٢٠٧)، وابن أبي شيبة (المصنَّف ١٢/٥١٢)، جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث ﵁. قلت: وهذا السند صورته منقطع، عاصم بن أبي النجود لم يدرك الحارث فيروي عنه والصحيح: عنه عن أبي وائل عن الحارث، كما ذكر ابن حجر (التهذيب ١/٤٠٧) . وكما هو واضح في السند السابق. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠٢ ]
فهذا الحديث يُفْهَم منه أنّ بعث عمرو بن العاص ﵁ كان في أثناء فترة ولاية العلاء بن الحضرمي على البحرين، وكان رسول الله ﷺ قد بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكّة، كما يذكر ابن إسحاق١.
ويُفهم من قول أبي رافع الطائي - في آخر حديثه الذي أخرجه الطبراني:
[١٧] "فمكثت سنة، ثُمَّ إنّ أبا بكر استخلف " الحديث٢. أنّ تاريخ بعث السرية كان متأخرًا جدًا. والله تعالى أعلم.
قال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية، مُعَلِّقًا على الأقوال التي ذُكرت حول إسلام عمرو بن العاص ﵁، ثُمَّ تأميره على ذات السلاسل: "فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدّر به
_________________
(١) ١ ابن هشام: سيرة، بشرح أبي ذرّ ٤/٢٩٤. ٢ سبق تخريجه برقم: [١] .
[ ٤٠٣ ]
المصنّف١ فيما مرَّ أنّه كان في صفر سنة ثمان، وفي الشامية أنّ بعثه كان بعد سنة من إسلامه٢ وهم إنّما يأتي على قول الحاكم: أسلم سنة سبع"٣.
قلت: اختلف أهل العلم في وقت إسلام عمرو بن العاص ﵁، فقيل: إنّه أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان٤، وقيل: بين الحديبية وخيبر٥. وقيل: بل أسلم قبل ذلك في الحبشة على يدي النجاشي، ولكنه كتم إسلامه حتى وفد على النّبيّ ﷺ قبيل الفتح مع خالد بن الوليد رضي الله عنه٦. ورجّح ابن عبد البرّ، وابن حجر القول الأوّل٧.
_________________
(١) ١ يقصد القسطلاني مُصَنِّف المواهب الدنية. ٢ انظر: (الشامي: سبل ٦/٢٦٢، ٢٧٠) . ٣ شرح المواهب ٢/٢٧٨. ٤ انظر: "الواقدي: مغازي ٢/٧٤٥، ٧٤٩، ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة ٢/٥١٠-٥١١، ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٢٤٥، الحاكم: المستدرك ٣/٥١٣-٥١٤، ترجمة عمرو بن العاص". ٥ انظر: (ابن حجر: فتح الباري ٨/٧٥)، ولم أجد قول الحاكم الذي نقله عنه الواقدي، وأنّ عمرو أسلم سنة سبع، بل الذي وجدته في ترجمة عمرو عنده أنّه أسلم سنة ثمان من الهجرة. ٦ ذكر ذلك الواقدي: مغازي ٢/٧٤٣-٧٤٤، وعزاه ابن حجر (إصابة ٣/٢)، للزبير ابن بكار. وذكر أنّ البغوي أخرجه بسندٍ جيدٍ عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين، وأخرجه أحمد (المسند ٤/١٩٨-١٩٩)، والحاكم (المستدرك ٣/٣٣٧، ٥١٤)، والأوّل سكت عنه الذهبي، والثاني حذفه من التلخيص. ٧ الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/٥١٠، فتح الباري ٧/١٠١.
[ ٤٠٤ ]
قلت: وبذلك يترجّح ما ذكره ابن سعد، وغيره من أنّ تاريخ السرية كان في جمادى الآخرة سنة ثمان. والله تعالى أعلم.
ويفهم من الأحاديث التي ذكرت أنّ أصحاب السرية أصابهم برد شديد، وأنّهم أرادوا إشعال نارٍ لتدفئتهم، ولكنّ عمرو بن العاص ﵁ منعهم من ذلك خوفًا أن يرى العدوّ قِلَّتهم.
وكذلك الأحاديث التي ذكرت أنّ القائد عمر بن العاص ﵁ أصابته جنابة في إحدى الليالي، ثُمَّ صلّى بأصحاب السرية دون أن يغتسل خوفًا على نفسه من شِدَّة البرد١.
كلّ ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ بعث السرية كان في فصل الشتاء، وشهر جمادى الآخرة الذي ذكره أصحاب المغازي تاريخًا لخروج السرية هو من أشهر فصل الشتاء في الأغلب. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/٥١٠، فتح الباري ٧/١٠١.
[ ٤٠٥ ]